مدار العويل
صرختي…
ليست صرخةَ فمٍ فقط،
بل صرخةُ امرأةٍ تذكّرت فجأةً
أنّها كانت تضحك ذات يوم بلا سبب.
ليست هتافَ لحظة طارئة،
بل نداءُ عمرٍ يبحث عن اسمه
في المرآة كلّ صباح
ولا يجد إلّا وجهاً يشبهه.
كنتُ أضمّ وجعي كي لا يسمعه أحد،
فسمعه جسدي حين أيقظني اللّيل،
وسمعته أضلعي حين ضاقت بالنّوم،
وسمعته روحي…
وقرّرت ألّا تسكت بعد اليوم.
خلعتُ قيد الضّلوع
وصرختُ في الفراغ—
لا أحد يسمع، لكنّ الصّوت خرج،
وهذا كان يكفي.
وسألتُ نفسي بصدق:
أأنا أنا؟
أم أنا الشّخصيّة الّتي أدّيتُها طويلاً
حتّى نسيتُ أنّ هناك فرقاً؟
أنا واقفةٌ في مفترق
كلّ طريق يبدو مألوفاً من بعيد
وغريباً حين أقترب.
في داخلي نداءٌ لا يستريح،
مثل أغنية سمعتُها في الطّفولة
لا أتذكّر كلماتها
لكنّ لحنها لا يتركني.
قلبي يدقّ بخوف قديم،
وأفكاري تتراكم كالأشياء الّتي
قرّرتُ دائماً أن أرتّبها غداً.
وأنفاسي أحياناً
تشعر وكأنّها تعمل بالكاد—
لا لأنّ شيئاً مكسور،
بل لأنّ شيئاً ثقيل.
كنتُ أظنّ أنّ الذّاكرة صندوق أغلقه حين أشاء،
فاكتشفتُ أنّها جارٌ لا يطرق الباب—
يدخل مباشرة.
وكنتُ أظنّ أنّ النّسيان رحمة،
لكنّه رحمة تأتي متأخّرة
وتذهب مبكرة.
حتّى “سحر”—
الّتي كان وجودها وحده يهدّئني
كما تهدّئ القهوة الصّباح الصّعب—
لم تعد تكتفي بأن تطمئن عليّ.
صارت تسألني: كيف أنتِ فعلاً؟
وهذا السّؤال الصّغير
أخطر سؤال سمعتُه في حياتي.
كانت تقول: اهدئي،
فكنتُ أهدأ كي لا أؤلمها.
واليوم تقول: قولي،
فأقول كي لا أموت.
أضحك أحياناً لأنّ البكاء يحتاج طاقة،
وأبكي أحياناً لأنّ الضّحك لم يعد يكفي،
وأمشي في يومي
وفي جيبي قائمة طويلة من الأسئلة
لا إجابات في ظهرها.
لا أحد يعرف ما أجرّه خلفي،
كلّ تلك المرّات الّتي قلتُ فيها “بخير”
وأنا لستُ بخير.
شظايا…
مبعثرة…
لكنّها ليست عدماً.
هي فقط أنا—
قبل أن أعرف كيف أجمع نفسي
بطريقة مختلفة عن قبل.
اجمعيـني يا نفسي
لا لأبدو كاملة،
بل لأكون صادقة—
مع نفسي أوّلاً،
ثمّ مع من أحبّ.
وأخيراً—
سأقولها كما تُقال الأشياء الحقيقيّة،
بهدوء وبدون خطابة:
أنا لا أطلب من العالم أن يفهمني.
أطلب فقط أن أفهم نفسي أنا—
وأن يبقوا من حولي
صبورين عليّ
ريثما أصل
بقلمي الشاعرة/د.سحرحليم أنيس
سفيرة السلام الدولي
القاهره 27/3/2026




































