في رثاء المطلبي
(حكايتي مع المعلم)
د.عيسى الموسوي
منذ زمن بعيد، وأنا أسمع باسم مالك المطلبي. هذا الاسم يتداول كثيرًا في الأوساط الأدبية بصوت خافت لكنه عميق الأثر. اسم حاضر في الوعي، غائب عن الإعلام والمعارك الثقافية، كأنه اختار أن يكون في الجوهر لا في الضجيج.
بحثت عنه، وقرأت له، فوجدت نفسي أمام تجربة لا تشبه إلا نفسها: كاتب من طراز رفيع، وشاعر قلّ نظيره، وناقد يرى ما وراء النص، وأكاديمي أثّر في جميع من تتلمذ على يده. له أدوات كثيرة، ولا يستقر في جانب إبداعي واحد، فهو منشغل بجميع الجوانب الإبداعية.
ثم دارت الأيام، وجاءت اللحظة التي خرج فيها الاسم من الورق إلى الحياة. كتبتُ وأخرجتُ برنامجًا ثقافيًا للتلفزيون، واخترت ضيف الحلقة الأولى الدكتور مالك المطلبي.
وصل المطلبي إلى مبنى القناة، فخرجت لاستقباله كما أفعل مع كل الضيوف. كان هادئًا، مبتسمًا، أنيقًا دون تكلف. قدّمني له حسن جاسم قائلًا:
“أقدّم لك المخرج عيسى الموسوي”
فنظر إليّ طويلًا، مبتسمًا، وقال:
“هم مخرج، وهم وسيم، وهم سيد!”
فضحك، وضحكت معه. من هنا بدأت حكايتي مع المعلم.
منذ ذلك اليوم صار المطلبي موعدًا لا يُفوّت. أزوره أو أُهاتفه فتفتح أمامي أبواب الحديث على اتساعها. كنا نجلس لساعات، نتنقّل بين الأدب والفن والفكر. ما كان يثير استغرابي أنه كان ملمًّا بجميع المجالات الإبداعية ويتحدث عنها بعمق، لكن عندما يصل الحديث إلى تجربته في الشعر أو النقد أو في كتابة مسلسل “المتنبي”، كان لا يُسهب في الحديث، ولا يُبدي اهتمامًا بذلك.
كان مثقفًا لا يشبه الأبراج العاجية، بل يشبه الناس: مشغولًا بهم، بلغتهم، بحكاياتهم الصغيرة، وبوجعهم اليومي.
أذكر مرة أني سألته ممازحًا:
“لماذا تكتب بالفصحى وتتحدث مع الجميع باللغة العامية؟”
فضحك وقال:
“إذا أحچي بالفصحى، العالم تكول: الزلمة تخبّل!”
اقترحت عليه أن نعمل فيلمًا وثائقيًا عن تجربته ورحلته من العمارة إلى بغداد. فرح للفكرة ورحّب بها بحماس، لكن الحياة، كعادتها، كانت أسرع منا، فضاع المشروع بين السفر والانشغال.
مالك المطلبي تجربة فريدة من نوعها، ولا يمكن اختزالها في هذا المقال. جالسته كثيرًا، وتعلمت منه الكثير، وفي بعض الأحيان كنت أحرص أن أدوّن كلماته، لا لأحفظها فحسب، بل لأحفظ نفسي من نسيانها.
رحل جسدًا، وبقي فكرًا متوقدًا لكل من عرفه، وعلمًا يُنتفع به.
أما أنت يا معلّمي… فلم ترحل.
أنت فقط صرت أوسع من الغياب.
ان لك ان تستريح ..بعد ان تركت فينا ما لايموت




































