جودٌ وجدّه
بقلم : زياد أبوصالح/ فلسطين
منذ أن وطئت قدما “جود” هذه الدنيا، استوطنت عيناه الصافيتان قلب جدّه. كان الرجل العجوز، الذي طالما بدا صارماً مع أبنائه وأحفاده، يتحوّل أمام هذا الطفل إلى كتلة من الحنان والتدليل. كان يميزه عن بقية إخوته، ويلبي له رغباته قبل أن تخرج من فمه الصغير.
كبر جود قليلاً ، ودخل المدرسة، وكان فرح الجد أكبر. حرص بنفسه على شراء الزي المدرسي الأزرق ، وفي صباح اليوم الدراسي الأول، أمسك بيد جود الصغيرة وظل ممسكاً بها حتى أوصله إلى باب المدرسة، محدقاً به بعينين تفيضان بالفخر والقلق معاً.
لم تكن علاقتهما مجرد زيارة عابرة. كان جود طفلاً نابضاً بالحياة ، يعشق تربية الأغنام والحمام، وركوب الدراجات، وكان جده أول المشجعين لهواياته. وفي كل يوم جمعة، كان الجد ينتظر قدوم حفيده بفارغ الصبر ليصطحبه إلى المسجد. وبعد انتهاء الصلاة، كان جود يمد يده الصغيرة ليمسك بيد جدّه المتعبة، ويساعده على النهوض، ويبقى واقفاً إلى جانبه كحارس أمين، يفرح عندما يضع الجد في كفه نقوداً، قائلاً: “اشتري لنفسك ما تشتهي يا حبيبي”.
لم يكن جود حفيداً عابراً في حياة الجد ، بل كان رفيقاً ، يدعوه إلى البيت ، يلح عليه ليشاركه تناول العشاء، أو حتى لاحتساء كوب شاي أو فنجان قهوة. كان صائماً في رمضان، قائماً للتراويح، حريصاً على أن يبقى هندام جدّه نظيفاً أنيقاً أمام الناس، وكأنه يعلم أنه مرآته التي يحب أن يرى نفسه فيها أجمل. من شدّة حب الجد، أطلق عليه لقب “الحبيب”، ولم يكن اللقب مجاملة ، بل حقيقة تفيض في كل تصرف ، وكان يغضب ويحتدم إذا تجرأ أحد – من إخوة جود أو رفاقه – على إهانته. كان يوصيه دائماً: “كن قوياً يا بني، لا تجعل أحداً يضحك عليك”. وفي الشارع، كان يعلمه بكل حذر كيف يقطع الطريق، خوفاً عليه من دهس السيارات. وكان لا يفتأ يوصي أمّ جود: “علّميه القراءة والكتابة جيداً، فهما أساس كل شيء”.
لكن سعادة الجد لم تكن كاملة. في أحد الأيام، وصل إلى مسامعه أن مديرة مدرسة جود الصغير قد ضربته بعنف بسبب تصرف عفوي ، لأنه أغلق باب غرفة الصف بقوة. فاهتز قلبه ، وغضب لكرامة حفيده . لكنه لم يكتف بالغضب ، بل حوله إلى فعل ، أعدّ كتاباً ، بعنوان : “أحب مدرستي”، يتضمن إرشادات وتوجيهات تربوية للطلاب داخل المدرسة وخارجها. لم يكتف بذلك، بل قام بتوزيعه على مدارس الوطن كافة، وكأنه بذلك يقول للعالم: هذا حفيدي، وكرامتي لا تُمس.
كان يتصل به أكثر من مرة في اليوم، فقط ليسمع صوته ويطمئن عليه. كان صوته بلسماً لروحه المتعبة.
وفي أمسية هادئة من الأمسيات، رن الهاتف. كان صوت الجد هذه المرة مختلفاً، أعمق وأكثر دفئاً. قال لجود : “أصغِ إليّ يا حبيبي، عندي كلمات أخرجت من قلبي إليك”. ثم تلا عليه بصوته الرخيم:
جودٌ … طيب القلب … طيب الرائحة … حسن الخلق والثوب … صاحب وجه بشوش … طويل القامة … عيناهُ أجمل نجمتين … “وخدّه أجمل الخدود”.
يحب وطنه… كباقي أطفال شعبه… يعشقون البقاء والصمود.
يساعد رفاقه… سخي اليد … لم يزعل أحداً … صديق مخلص و… ودود.
أنتظره بفارغ الصبر … أطبع على وجنتيه أجمل القبل … يبتسم في وجهي … ويهديني أجمل … الورود.
أحبه حبين : عندما يذهب إلى مدرسته … وأحبه أكثر … عندما منها يعود.
لم أبخل عليه أبداً … أعطيه ما يشاء … من دون شروط أو … قيود.
أشتاق لرؤيته … أفرح لفرحه …أحزن لحزنه … دائماً المصروف له مرصود.
جودٌ… ارفع جبينك عالياً…”يا ابن الأصـل و… الجود”.
حافظ على صلاتك… واظب على دراستك … دافع عن وطنك وشرفك … حماك الرحمن من أعين اليهود.
كن كريماً … كن أميناً … كن شهماً … التزم بالوعود و … العهود.
مهما كتبت عنك … سأبقى مقصراً … فحبك ما له حدود.
أرجوك … إن فارقت الحياة … ادع لي بالرحمة والمغفرة … في كل ركوع و … سجود.
سكت الجد. دمعت عينا جود الصغير، فاحتضن الهاتف بكل كيانه. ثم قال بصوت مفعم بالحب :” بارك الله في عمرك يا جدي ، وستبقى لنا ذخراً ما حييت ” .
مرت السنوات. كبر جود، ومات الجد. لكنه لم يمت حقاً. فكلما قرأ جود تلك الكلمات، أو تذكر نبرة صوته في تلك الليلة، أحس بأن جدّه لا يزال هناك، يمسك بيده، ويمشي به في دروب الحياة، مرشداً، حامياً، محباً. بقيت الوصية الأخيرة في قلبه نبراساً: الدعاء له في كل ركوع وسجود. وهكذا ظل جود، وفيّاً لعهده مع جدّه، حاملاً جينات الحب والجود التي غرسها فيه، إلى الأبد.




































