لماذا لم يختبئ لاريجاني ما الّذي أراد قوله؟
عيسى الموسوي
في زمن الخوف وتسارع الأحداث، وفي لحظةٍ تموج فيها المنطقة بالتّصعيد السّياسي والتّوتّرات المتلاحقة، يختار كثير من السّياسيين الابتعاد عن الضّوء والاحتماء بالظّل. هذا ما اعتدناه في المشاهد السّاخنة: بيانات مقتضبة، ظهور محدود، وحذر شديد. لكنّ لاريجاني لم يفعل ذلك. لم ينسحب، لم يتوارَ، ولم يبحث عن زاوية آمنة يختبئ فيها من العاصفة.
بل فاجأ الجميع بحضورٍ واضح، وكتب لنفسه مشهدًا جديدًا، مشهدًا لا يعرف التّراجع، ولا يقبل الانكفاء. كان ظهوره رسالة قبل أن يكون موقفًا، وإعلانًا بأنّ لغة الخوف ليست جزءًا من قاموسه السّياسي.
الجميع يعرف أنّ لاريجاني قائدٌ محنّك، وسياسي بارز، ودبلوماسي يمتلك خبرة طويلة في إدارة الملفّات المعقّدة. لذلك لم يكن قراره بالبقاء في الواجهة تصرّفًا عابرًا، بل خطوة تعكس شخصيّة تؤمن بالثّبات في لحظات التّحدّي. وهنا يبرز السّؤال: لماذا لم يختبئ؟
الإجابة أنّه يسير على نهج واضح، مستمدّ من رؤية قياديّة تعتبر الحضور في أوقات الشّدّة جزءًا من المسؤوليّة. وقدوة هذا النّهج هو السّيّد علي خامنئي، الّذي عُرف بثباته وظهوره في المواقف الصّعبة، وعدم تراجعه أمام الضّغوط. هذا النُموذج القياديّ لا يقوم على الاختباء، بل على الثّبات العلنيّ وتحملّ المسؤوليّة أمام التّحدّيات.
ومن هنا، يمكن فهم سلوك لاريجاني باعتباره امتدادًا لهذا المسار؛ مسارٍ يرى أنّ القائد الحقيقي لا يغيب حين تشتدّ الأزمات، بل يكون أقرب إلى النّاس وأوضح حضورًا. فالمواقف في زمن الخطر لا تحتاج إلى تردّد، بل إلى ثباتٍ يعكس قوّة الإرادة.
وهذا المعنى ليس سياسيًّا فقط، بل يمتدّ إلى مدرسة أوسع، تستلهم روح الحسين بن علي عليه السّلام حيث يتحوّل الموقف إلى رسالة، والثّبات إلى مبدأ، والتّضحية إلى قيمة عليا. في هذه الرّؤية، لا يكون السّؤال: كيف ننجو؟ بل كيف نستشهد ونحافظ على المبدأ؟
لذلك، لم يكن عدم اختباء لاريجاني مجرّد قرار شخصي، بل موقفًا يعكس اقتناعًا عميقًا بأنّ الشّجاعة ليست في الهروب من الخطر، بل في مواجهته. في لحظةٍ اختار فيها البعض الانسحاب، اختار هو البقاء. وفي زمنٍ يفضّل فيه كثيرون الصّمت، فضّل أن يكون صوته حاضرًا وموقفه واضحًا. وهذا ليس بغريب على من جعل معركة كربلاء منهجا
قد تختلف القراءات، وقد تتباين وجهات النّظر، لكنّ الحقيقة الّتي لا يمكن إنكارها هي أنّ لاريجاني أراد أن يقول بفعله ما هو أبلغ من الكلمات:
أنا هنا… ولن أختبئ.
أنا هنا…مهما كان الثّمن

































