احذروا أكل الربا … !!!
حكايات في رمضان ( الحلقة 29 )
بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين 🇵🇸
كان أحمد رجلاً عرف العمل قبل أن يعرف الراحة . تنقّل بين الزراعة والصناعة والبناء ، ورعى المواشي كما يرعى أبناءه ، لا يمد يده إلا لما كسبه بعرق جبينه . وحين اجتمع له مال حلال ، اشترى شاحنة صغيرة لنقل البضائع والفواكه بين بلدته والقرى المجاورة ، كلفته تسعة آلاف دينار ، كان رزقها قليلاً ، لكنه مُبارَك ، يملأ البيت بما يكفي ، ويملأ قلب أحمد بحمدٍ لا ينقطع على نعمة العرق الحلال .
ذات مساء ، بينما كان يحسب يوميته البسيطة ، جاءه صديقه مُحمّلاً بحلم كبير ، قائلاً له : ” بع شاحنتك ، واشترِ مركبة عمومية لنقل الركاب أربح، والرزق فيها أوسع ” .
تردد أحمد ، وقال بصراحة : ” لا أملك ثمنها ” .
فأجابه صديقه بلا تردد : ” كملها بقرض ” .
وقع الكلام في قلب أحمد موقع الشك ، لم يكن القرض مُجرد أرقام ، بل عبئاً يعرف اسمه وخطورته . قصد شيخاً يسأله ، فسمع فتوى ميسرة ، قائلاً له : ” لا بأس عند الحاجة ” ، فتوى صنعت على المقاس ، لا على الميزان ، أقنع نفسه بأن الضرورة تُبيح ، ومضى .
باع الشاحنة ، واشترى المركبة العمومية ، وأكمل ثمنها بقرض ، حتى بلغت كلفتها نحو ثلاثين ألف دينار ، عمل سائق حافلة عمومي ، وتدفق عليه المال كالنهر ، ونسي أحمد زمن الشاحنة البطيء ، وكان يقول لأولاده مُبتسماً :” لِمَ نفكر بها من قبل ؟” .
لكن القدر كان يدخر مفاجأته . في منعطف جبلي حاد ، انقلبت الحافلة ذات يوم . كان صوت الإنقلاب هادراً كالرعد ، تحطم الزجاج ، والتوى المعدن ، وعلت الصرخات ، وبرحمة الله ، خرج الجميع أحياء ، لكن الحافلة تحولت إلى كومة حديد مشوهة .
أفاق أحمد في المستشفى ، جسده موجوع ، وقلبه أثقلته الديون ، لما استطاع الوقوف ، قرر بيع المركبة خردة ، جال على محال الخردة ، تفاوض مع التجار ، واحداً تلو الآخر ، حتى أشار أحدهما بتسعة آلاف دينار ( مع البيرمت _ لوحتها المعدنية ) ، وهو نفس ثمن شاحنته الأولى ، شاحنة العرق الحلال .
عاد إلى بيته ، وأمام عيون زوجته وأولاده ، وضع النقود على المائدة ، نظر إليها طويلاً ، ثم قال بصوتٍ هادئ مليء باليقين :” انظروا رجع لنا المال الحلال ، تسعة آلاف دينار ، أما المال الحرام فذهب أدراج الرياح ” .
ثم أوصاهم ألاّ تغريهم الحاجة بالقروض ، مهما اشتدت الظروف ، وأخذ يتلو على مسامعهم آياتٍ بينات وأحاديث نبوية تحذر من الربا وعواقبه .
وقرأ بصوت يهتز بصدق التجربة ، ( يمحق الله الربا ويربي الصدقات ) و ( أحل الله البيع وحرم الربا ) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”( لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء )” . كانت الآيات والأحاديث تنزل على أسماعهم كالمطر الطاهر ، ، تغسل ما علق في النفس من غبار الطمع ، وتذكرهم بأن البركة في الحلال ، بينما الحرام يزول سريعاً .
وبعد مرور عام على وقوع الحادثة ، فارقت أحمد الحياة ، وبقي أولاده يقومون بتسديد المبلغ المستحق دفعه للبنك عن والدهم لسنوات طوال .


































