أَبْنَاءُ النَّهْرِ وَبَابُ المَاءِ
يَا صَدِيقِي الَّذِي يَسْهَرُ
مِثْلَ قِنْدِيلٍ عَلَى شُرْفَةِ الرِّيحِ،
أَمَا تَعِبْتَ مِنَ اللَّيْلِ
وَهُوَ يُبَدِّلُ أَسْمَاءَهُ فِي قَلْبِكَ؟
أَنَا رَجُلٌ
أَضَاعَتْهُ الطُّرُقُ الَّتِي يَعْرِفُهَا،
وَأَضَاعَتْهُ الطُّرُقُ الَّتِي لَا يَعْرِفُهَا.
كُلَّمَا قُلْتُ: هَذَا الطَّرِيقُ لِي،
وَقَفَ الحَاجِزُ
كَجُنْدِيٍّ قَدِيمٍ
وَسَأَلَنِي عَنْ اسْمِي.
دَخَلْتُ خَلْفَ الحَاجِزِ،
وَكَانَ الفُلُّ يَرْفَعُ رَايَتَهُ البَيْضَاءَ،
لَكِنَّ العِطْرَ
لَمْ يَكُنْ سَلَامًا،
كَانَ ذِكْرَى
لِبُيُوتٍ عَبَرْتُهَا
وَلَمْ تَعْبُرْنِي.
يَا حَافِظَ الدُّرُوبِ القَدِيمَةِ،
قُلْ لِي:
كَيْفَ يَعُودُ القَلْبُ
إِذَا ضَلَّ الطَّرِيقَ إِلَى نَفْسِهِ؟
العُمْرُ غُرْفَةُ نُزُولٍ عَابِرَةٌ طَوِيلَةٌ،
سَرِيرٌ يَتَبَدَّلُ كُلَّ مَسَاءٍ،
وَحَقَائِبُ
تَنَامُ أَكْثَرَ مِمَّا نَنَامُ.
صَارِحْنِي قَلِيلًا،
فَإِنِّي جَرِيحُ دَهْرِي،
أَضَعُ أُذُنِي عَلَى صَدْرِي
فَأَسْمَعُ
صَهِيلَ الخَيْبَاتِ.
لَكِنَّ الكَرْمَ المُتَأَخِّرَ
يَنْضَجُ رَغْمَ الخَرِيفِ،
وَبَعْضُ عَنَاقِيدِهِ
تَنْكَسِرُ عَلَى الأَرْضِ
كَأَنَّهَا نُجُومٌ صَغِيرَةٌ
لَمْ تَجِدْ سَمَاءَهَا.
كُنْ يَدًا أَيُّهَا الحُزْنُ،
يَدًا تَعْرِفُ القِطَافَ،
وَلَا تَكُنْ رِيحًا،
فَالرِّيحُ
تَأْخُذُ الأَغَانِي
وَلَا تُعِيدُهَا.
لَقَدْ رَمَتْنِي الرِّيحُ بَعِيدًا عَنِ النَّهْرِ،
لَكِنَّ بَذْرَتِي
تَذَكَّرَتْ مَاءَهَا،
وَشَقَّتْ فِي التُّرَابِ
نَفَقًا مِنَ الصَّبْرِ.
وَهُنَاكَ
رَأَيْتُ الفِتْيَةَ
يَلْعَبُونَ بَيْنَ الظِّلِّ وَالنَّارِ،
وَفِي عُيُونِهِمْ
بُرْتُقَالَةُ الخَطَرِ
تَلْمَعُ مِثْلَ شَمْسٍ صَغِيرَةٍ.
فَقُلْتُ:
رُبَّمَا الطَّرِيقُ طَوِيلٌ،
وَرُبَّمَا تَعِبَ القَلْبُ،
لَكِنَّ النَّهْرَ
يَعْرِفُ أَبْنَاءَهُ،
وَيَفْتَحُ لَهُمْ
بَابَ المَاءِ.
بقلم الشاعر
مؤيد نجم حنون طاهر
العراق


































