داليا وخالها
حكايات في رمضان
الحلقة السادسة والعشرون
بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين
كان الوالدان ينتظران قدوم التوأم كما يُنتظر الفجر بعد ليلٍ طويل. وعندما جاء المخاض للأم ، هرعت مع زوجها إلى المشفى، وفي قلبها رجفة فرح وخوف. جاءتا إلى الدنيا معًا: طفلتان كالقمرين، تتشابهان حدَّ الالتباس، وتختلفان فقط في الاسم الذي أعدّه الوالدان سلفًا: داليا وتاليا.
كبرت الطفلتان قليلًا، وكبر معهما حبّ الأب حتى ضاق به صدره، وكأن قلبه لا يتسع إلا لهما. كانت الأم تتلقى عون الجارات والمعارف؛ يحملن إحدى الطفلتين، ويُداعبن الأخرى، لتتمكن من ترتيب بيتٍ صار مزدحمًا بالضحك والرضاعة والسهر.
كان الوالدان يحيطان التوأم بعنايةٍ مفرطة: يخافان عليهما من البرد، من السقوط، من أي احتمالٍ غامض. اشترَيا لهما حِلَقين ذهبيين صغيرين، كعلامة فرحٍ لا يُخشى عليه من الزوال.
كانت داليا وتاليا تذهبان مع أمهما إلى بيت خالهما محمد؛ رجلٌ بسيط ، دخله لا يتسع إلا للقليل، لكن قلبه يتسع للكثير . كان يفرح بقدومهما كالعيد ، يداعبهما ويشتري لهما ــ ولأطفاله ــ ما تيسّر من حاجيات يحبونها .
وفي صباحٍ عادي، بلا نُذُر، استيقظت الأم… فوجدت داليا ساكنة. لا بكاء، لا حركة..، نادتها بلهفة ، ثم بصوت مجلجل .
نادَت زوجها، فحُمِلَت الطفلة مسرعة إلى المشفى القريب، بينما كان القلب يسبق الجسد هلعًا.
قال الأطباء كلمتهم القاسية: داليا فارقت الحياة. عاد الوالدان بها إلى البيت، مذهولين، وهي ملفوفة بشرشف أبيض ، كأنها نائمة في ثلج ، يتسألان : كيف تموت بهذه السرعة؟كانت البارحة تضحك، تلعب مع شقيقتها، ثم نامتا معًا كعادتهما. انتشر الخبر بين الأهل والأنساب، وعبر وسائل التواصل.
جُهِّزت داليا للدفن كأي طفلةٍ أخرى، غير أن قلب أمها لم يكن كقلوب الأمهات. نزعت الحَلَق الذهبي من أذن ابنتها، واحتفظت به… لا تذكارًا، بل بقايا حياة.
أعدّوها للدفن ، بثياب بيضاء ، طفلة لم تكن تتعلم المشي ، وعندما دخل محمد، خال الطفلة، ليأخذها إلى مثواها الأخير، جن جنون الأم.
تقدّم الخال محمد الصفوف في الجنازة الصغيرة ، وعيناه حمراوان ، ودموعه تبلل لحيته ، كان يصيح بين الحين والآخر :«وَحِّدوا الله… وَحِّدوا الله» وكان يكررها، كأنه يستنجد بها ليُثبّت قلبه.
دُفنت داليا، وعاد الناس. لكن محمد لم يعد . كان، بين حينٍ وآخر، يستقل سيارته، ويذهب إلى المقبرة، كان يضع خدّه على القبر، لعلّه يسمع صوتها، أو حركةً، أو معجزة. كان يتمنى أن يعود إلى أهلها ويقول: داليا حيّة… لم تمت. كان عقله يرفض التسليم لأنها لم تكن مريضة .
وحينما أيقن أن الصغيرة لن تعود، كتب على قطعة كرتونٍ مقوّى: الفاتحة / هذا قبر داليا / إنا لله وإنا إليه راجعون .
قرأ الفاتحة، وبكى كأن الفقد وقع لتوّه، ثم عاد إلى بيته ، حاملاً ثقلاً لا يغادر قلبه .
أما الأم ، وبعد أسابيع ، فتحت صندوق الذكريات الصغير ، أخرجت الحلق الذهبي اللامع ، ووضعته في أذنها .
كانت تاليا ، الطفلة الباقية ، تمد يدها الصغيرة ، تعبث بالحلق ، وتبتسم ، ظنت _ ببراءتها _ أنه حلق داليا ، وأن أختها ما زالت حية ، وفي عيني الأم ، التقت دموع الفقد مع ابتسامة البقاء .


































