قصيدة إلى الله من قريةٍ متعبة
إلهي..
أنا فلانُكَ الّذي تَعْرِفُهُ بالاسم لا بالصَّوت..
الّذي ضَعُفَ سَمْعُهُ..
فصارَ يَسْمَعُكَ بالقلبِ أوضح..
من كلِّ المآذنِ والميكروفونات..
إلهي..
أنا الشّاعرُ..
الّذي تَتَعَثَّرُ الحروفُ في فَمِهِ..
ويَمْشِي كلامُهُ على عصا من الصَّبر..
لكنّه إذا ناداكَ..
انْفَتَحَتْ في حَلْقِهِ..
قصيدةٌ لا تُشْبِهُ أحداً..
إلهي..
لا خِلَّ لي بينهم..
غيرَ كادحاتٍ..
يَغْسِلْنَ فَجْرَ المعاملِ بِدَمْعِهِنَّ..
ثم يَمُتْنَ هادئاتٍ..
كآياتٍ تُطْوَى على عَجَلٍ..
ولا حِصْنَ لي دونهنّ..
ولا حَوْلَ لي كي أطير..
إلاّ إلى جبهةِ شهيدةٍ..
تَتَوَضَّأُ بِعَرَقِ الخُبْزِ..
وتُسَمِّي الجوعَ باسْمِكَ..
ثم تَنْصَرِفُ..
إلهي..
أنا ابنُ قريةٍ..
معلّقةٍ في عنق الرّيح..
طرقاتُها عِظامُ بيوتٍ قديمة..
وأبوابُها تُصَلِّي على غيابِ الرِّجال..
في قريتي..
تَكْبُرُ الزّيتونةُ..
ولا يَكْبُرُ معها..
إلاّ تعبُ الأمّهاتِ..
وَوَحْشَةُ الأطفال..
في قريتي..
النّاس لا يقرؤون تقاريرَ التّنمية..
هم يعرفون العدلَ..
من انتظامِ الماءِ في الصّنابير..
ومن ضَوْءِ لَمْبَةٍ..
لا تَنْطَفِئُ في وَجْهِ الطّفل..
عندما ينقطعُ التّيارُ الكهربائي..
يَخْرُجُ الغضبُ من البيوت..
حافيًا..
تُشْعِلُ النّساءُ شُموعاً..
لا لِلرّومانسيّة..
بل لِتَعْتَذِرَ عن وَجْهِ الدّولةِ الْمُظْلِم..
وحينَ يَنْقَطِعُ الماءُ..
تَصِيرُ الدّلاءُ..
نُفُوسًا مُتْعَبَة..
تَصْعَدُ الدَّرَجَ..
كَأَنَّهُ جَبَلٌ يَتَحَرَّك..
ويَتَعَلَّمُ الطِّفْلُ..
أَنَّ قَطْرَةً واحدة..
أصدقُ مِنْ خطاباتٍ كاملة..
إلهي..
تلاميذُنا..
يَحْفَظُون جَدْوَلَ الضَّرْبِ..
وَجَدْوَلَ مَوَاعِيدِ الْفَيْضَان..
يُرَاجِعُون دُرُوسَهُمْ..
وعُيونُهُم عَلَى الوَادِي..
الَّذِي يَزْعَقُ فِي الشِّتَاءِ..
كَأَنَّهُ وَحْشٌ قَدِيم..
أَطْفَالٌ..
يَعْرِفُونَ أَنَّ جِسْرَ الْخَوْفِ..
أَخْطَرُ مِنْ أَيِّ اِمْتِحَان..
وَأَنَّ دَفْتَرًا مَبْلُولًا..
يُشْبِهُ قَلْبَ أُمٍّ..
لَمْ يَعُدِ الاِبْنُ مِنَ الْمَدْرَسَة..
إلهي..
وَلِي حبيبةٌ واحدة..
تُصْغي إلى صَمْتِي..
كأنّه ترتيلُ مَسَافَةٍ بعيدة..
تَفْهَمُ إعاقةَ حُرُوفي..
وتَضَعُ رأسَها..
على أُذُنِي المكسورة..
لتسمعَ معي..
كيف يَنْهَارُ العالَمُ..
في دقّةِ قلب..
أُهْدِيكَ هذا الحُبَّ الخَجُول..
حُبَّ امرأةٍ تُصَلِّي سِرّاً..
لِتَحْمِي شِعْرِي من الانكسار..
وَتَجْمَعُ لي..
شَتَاتَ نَفْسِي..
كأنّها تَلُمُّ الغُسْلَ..
عن جَسَدِ شَهِيد..
إلهي..
أنا شاعرُ الكادحات والشّهيدات..
والقريةِ المُهْمَلَة..
أنا صديقُ الأطفالِ اليتامى..
الّذين يَضَعُونَ رُؤُوسَهُمْ..
على رُكْبَةِ الظّلام..
حينَ يتأخّرُ الحليبُ..
ويتأخّرُ الأبُ..
ويتأخّرُ الوطن..
أكتبُ عنهم..
فتَنْزِلُ القصيدةُ..
مِنْ عَيْنِي أوّلاً..
ثمّ مِنْ قلمي..
أكتبُ عن البلادِ..
الّتي تَسْتَخْدِمُ الكادحاتِ..
سلّماً..
لِتَصْعَدَ عليها صُوَرُ السّاسة..
وعن الشُّهَدَاءِ..
الّذين لا يَجِدُونَ..
إلاَّ جِدارًا بَارِدًا..
قَبْراً أخيرًا..
إلهي..
أنا لا أُجِيدُ الخِطَابَ طويلاً..
جُمَلِي قَصِيرَة..
لأنَّ نَفَسِي قصير..
وأُذُنِي تَتْعَبُ..
من ضَجِيجِ العالَم..
لكنّي أُجِيدُ أن أُحِبَّكَ..
بهدوءٍ عميق..
وبقلبٍ يَتَرَكَّزُ فيكَ..
كما يَتَرَكَّزُ الجرحُ..
في نقطةٍ واحدة..
اِحْفَظْ لِي هذه القلّةَ من الصَّوت..
وهذا الكَثْرَ من الإحساس..
وَسَمِّني عندكَ..
بِاسْمِي الصّغيرِ..
الّذي لا يَعْرِفُهُ النُّقّاد..
ولا المَنَاصِب..
ولكن تَعْرِفُهُ كَفُّ كادِحَةٍ..
وغُصْنُ زيتونٍ..
وعَيْنُ يَتِيمٍ..
وَقَلْبُ حبيبةٍ..
تَضَعُ سَرِيرَتِي..
تَحْتَ مِخَدَّتِها..
كَأَنَّنِي الطِّفْلُ..
الَّذِي لَمْ يُتِمَّ الْبُكَاءَ بَعْدُ..
إلهي..
هكذا أُحِبُّكَ..
بِاسْمِي الأوّل..
بِصَمْتِ أُذُنِي..
وبِضَوْءِ قَرْيَتِي..
فَاقْبَلْنِي..
كَمَا أَنَا..
شَاعِرًا نَاقِصَ السَّمْعِ..
كاملَ الوجع..
يَكْتُبُ لَكَ..
وَلِلْكَادِحَاتِ..
وَلِلْأَيْتَامِ..
قَلِيلًا مِنَ الشِّعْر..
وكثيرًا من الدَّمْع..
النوي الفايدي



































