رَحَلَ وَهُوَ يَفْعَلُ ما آمَنَ بِهِ: إِنقاذَ الحَياةِ..
لَمْ يَكُنْ يَحمِلُ سِلاحًا، بَل كانَ يَحمِلُ قَلبًا أَوسَعَ مِنَ الخَوفِ، وَيَدَينِ تَمْتَدّانِ دائِمًا نَحوَ الجَرحى وَالمَنكوبينَ،
في زَمَنٍ صارَ المَوتُ فيهِ خُبزًا وخَبَرًا يَومِيًّا اِختارَ هُوَ أَنْ يَكونَ خَبَرَ الحَياةِ.
كانَ عُنصُرًا في الصّليبِ الأحمرِ اللبنانيّ،
لَكِنَّ اِسْمَهُ الحَقيقيَّ كانَ الإِنسانِيَّةَ..
كانَ يَركُضُ حَيثُ يَتَراجَعُ الآخَرونَ،
وَيَدخُلُ إِلى قَلبِ الخَطَرِ، لِأَنَّ هُناكَ جَريحًا يَنتَظِرُ،
وَطِفلًا يَصرُخُ، وَأُمًّا تَبكي..
وَفي الحَربِ، حينَ تَختَلِطُ الأَصواتُ بَينَ القَذائِفِ وَالدَّمارِ،
كانَ صَوتُهُ مُختَلِفًا:
صَفّارَةُ إِسعافٍ تَشُقُّ العَتمَةَ،
وَقَلبٌ يَسبِقُ خُطُواتِهِ إِلى حَيثُ يُوجَدُ الأَلَمُ..
لَمْ يَسقُطَ في ساحَةِ قِتالٍ،
بَلِ ارتَقى في مُهِمَّةِ إِنقاذٍ..
ذَهَبَ لِيُخرِجَ إِنسانًا مِنْ بَينِ أَنيابِ المَوتِ،
فَاحتَضَنَهُ المَوتُ نَفسُهُ…
لَكِنَّهُ لَم يَهزِمْهُ،
لِأَنَّ مَن يَموتُ وَهُوَ يُنقِذُ الآخَرينَ، لا يَموتُ حَقًّا…
وأنتِ يا أُمَّهُ
نَعرِفُ أَنَّ قَلبَكِ اليَومَ مَكسورٌ كَأَنَّ الدُّنيا كُلَّها انطَفَأَتْ فَجأَةً..
فالإبنُ حينَ يَرحَلُ لا يَترُكُ فَراغًا فَقَط، بَل يَترُكُ وَجَعًا يَسكُنُ في تَفاصيلِ الرّوحِ والبَيتِ:
في صَوتِهِ الَّذي لَن يُسمَعَ،
وَفي خُطاهُ الَّتي لَن تَعودَ،
وَفي البابِ الَّذي سَيَبقى يَنتَظِرُ طَرقَتَهُ..
نَعرِفُ أَنَّكِ كُنتِ تَخافينَ عَلَيهِ كُلَّما خَرَجَ مُسرِعًا إِلى نِداءِ الإِسعافِ،
وَكُنتِ تَقولينَ في قَلبِكِ:
يا رَبِّ احمِهِ وَارجِعْهُ سالِمًا..
لَكِنَّ ابنَكِ يا أُمَّهُ كانَ يَمشي في طَريقِ الرَّحمَةِ،
وَالَّذينَ يَسيرونَ في هذَا الطَّريقِ يَكونونَ دائِمًا أَقْرَبَ إِلى السَّماءِ..
ابنُكِ لَم يَمُتَ وَهُوَ هارِبٌ مِنَ الخَطَرِ،
بَل وَهُوَ يَركُضُ نَحوَ الخطر،
نحو إِنسانٍ يَحتاجُهُ..
سَقَطَ وَهُوَ يَحمِلُ حَياةَ غَيرِهِ بَينَ يَدَيهِ،
وَكَأَنَّ اللهَ اختارَ لَهُ نِهايَةً تُشبِهُ قَلبَهُ..
ابنُكِ اليَومَ لم يعُدْ ابنَكِ فَقَط،
بَلْ صارَ ابنَ الوَطَنِ كُلِّهِ،
وَابنَ كُلِّ أُمٍّ عادَ ابنُها حَيًّا لِأَنَّ مُسعِفًا مِثلَهُ وَصَلَ في الوَقتِ المُناسِبِ..
ابكيهِ يا أُمَّهُ فَهٰذَا حَقُّكِ،
وتَذَكَّري دائِمًا أنّكِ رَبَّيتِ قَلبًا كَبيرًا، اختارَ أَنْ يَموتَ واقِفًا عَلى بابِ الحَياةِ، وَهُوَ يُحاوِلُ أَنْ يَفتَحَها لِلآخَرينَ..
سَلامٌ لِروحِهِ،
وَصَبرٌ لِقَلبِكِ،
وَلْتَبقَ قِصَّتُهُ جَرَسًا في ضَميرِ العالَمِ،
يُذَكِّرُنا أَنَّهُ في زَمَنِ الحَربِ ما زالَ هُناكَ مَنْ يَذهَبُ إِلى المَوتِ كَي يُعيدَ الحَياةَ لغيره..
اليَومَ يَرجِعُ النّاسُ إِلى بُيُوتِهِم،
وَتَبقَينَ أَنتِ وَحدَكِ تَنتَظِرينَ خُطُواتٍ لَن تَعودَ..
اليَومَ يَدخُلُ اللَّيْلُ بَيتَكِ ثَقيلًا
وَتَفتَحِينَ البابَ كَعادَتِكِ…
ثُمَّ تَتَذَكَّرينَ أَنَّ الَّذي كانَ يَدخُلُ مُبتَسِمًا
لَن يَدخُلَ بَعدَ اليَومِ..
“الرّحمة لروحِهِ والصّبر والعزاء لكِ ولباقي العائلة ولمؤسّسةِ الصّليبِ الأحمرِ اللّبنانيّ ولرفاقِه في سلاحِ المحبّةِ والخيرِ الإنسانيّة “.
عايدة قزحيّا حرفوش



































