مقالات انتربولوجية..
.ا. د حمام محمد..جامعة الجلفة…الجزائر
تأملات انتربولوجية في الأيام الأخيرة من العشر الأواخر من رمضان
إنَّ الأيام الأخيرة من العشر الأواخر من شهر رمضان حين يتحسّس الإنسان أنها توشك على الزوال، تتكوَّن لديه حالتان نفسيّتان متباينتان.
الحالة الأولى:
حالة الشعور بأن هذه الأيام ذاهبة كما ذهبت الأيام السابقة؛ خاصة إذا كان العبد لم يتشبّع من الطاعات ولم يشعر بالاكتفاء منها. عندئذٍ يشرع في التفكير فيما يليه من تصرفات وأعمال، فيحاول أن يضيف إلى رصيده ما استطاع من الطاعات، إلا أنه قد يُصاب بشيء من الانتكاس النفسي عندما يتأمل انقضاء الأيام دون أن يشعر بالرضا الكامل عمّا قدّمه من عبادة. فينتابه شيء من اليأس أو القنوط، ويخشى أن يكون قد فرّط فيما هو أعظم، فيضع نفسه ـ ظلمًا لها ـ في دائرة المقصّرين أو المغضوب عليهم.غير أن المؤمن ينبغي أن يتذكّر قول الله تعالى:﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾.فباب الرجاء مفتوح، ورحمة الله أوسع من تقصير العباد.
الحالة الثانية:
أن يدرك الممارس للطاعات أنه قد بلغ شأوًا معتبرًا في العبادة، وأنه على مقربة من القبول والاستجابة. فيشعر بدنوّ الرحمة الإلهية، ويتطلع إلى نيل بركة ليلة القدر، تلك الليلة التي قال الله تعالى عنها:﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.حينها يتذكّر ما قدّم من الطاعات الشاقة: من ختمات للقرآن، وقيامٍ لليل، وصدقاتٍ خفيّة، وسجودٍ طويلٍ بين يدي الله. فتأتيه موجة من الطمأنينة، ويستبشر بلحاق آخر يوم من الشهر ليختمه بعمل صالح أو زكاةٍ أو صدقة، لعلها تكون خاتمة الخير التي ينال بها القبول.
وهاتان الحالتان متلازمتان عند كثيرٍ ممن يودّعون العشر الأواخر؛ فبين خوفٍ من التقصير، ورجاءٍ في القبول، يعيش المؤمن حالة الترقّب الروحي.وقد يحسّ بعض العباد براحةٍ غامرة تعتريه، خاصة عندما ينظر إلى السماء فيجدها صافيةً نقيةً، فيرتعش قلبه فرحًا كأنها بشارة ليلة القدر، التي وصف النبي ﷺ صباحها فقال:«تَطْلُعُ الشَّمْسُ صَبِيحَتَهَا لَا شُعَاعَ لَهَا» (رواه مسلم).فكلما ازداد شعور الرضا في النفس المتعطشة للعبادة، كان ذلك أدعى لنوال القبول.وقد قال ابن رجب الحنبلي (ت 795هـ):”كان السلف يعظّمون آخر رمضان تعظيمًا شديدًا؛ رجاء أن توافق أعمالهم ليلة القدر”.وقال أبو حامد الغزالي (ت 505هـ):”إذا أشرق نور الطاعة في القلب أحسَّ العبد بلذة الرضا الإلهي”.ومن هنا تتشكّل لدى المؤمن علامةٌ روحية عميقة، هي البحث عن الرضا الإلهي؛ وهو شعور شامل وإيجابي يملأ القلب يقينًا بأن الله قد نظر إلى عبده بعين القبول، خاصة عندما يخرجه من حالٍ غير لائق إلى حالٍ أحسن. عندئذٍ يدرك العبد أنه على مقربة من عتق الله ورحمته.وقد قال الله تعالى:﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.أما عن أثر الرضا في القلب، فقد قال جلال الدين السيوطي (ت 911هـ):”من أتمَّ رمضان بالصيام والقيام شعر بأن قلبه امتلأ نورًا وطمأنينة”.
فالرضا شعور عظيم، تترجمه دموع القلوب الخاشعة والعيون الدامعة، عند كل آية من آيات الله في الكون أو في كتابه العزيز؛ إذ تغمر القلب مواطنُ رحمةٍ قد لا يحسّها العبد إلا في مثل هذه اللحظات الروحية العميقة.وقد أشار بعض العلماء، كالإمام الشوكاني، إلى أن الراحة التي يجدها المؤمن بعد الطاعة إنما هي أثر من آثار القرب الإلهي، وانغماس الروح في فيض الرحمة الربانية.
ولهذا كان النبي ﷺ يوصي بالإكثار من الدعاء في هذه الليالي، وخاصة الدعاء الذي علّمه لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:«اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي».
فالعفو والعافية هما قمة الرضا الإلهي الذي ينبغي للمؤمن أن يسعى إليه، وهو يعيش لحظات الانتظار المباركة لليالي الوتر من العشر الأواخر، طمعًا في إدراك ليلة القدر، تلك الليلة التي تتنزّل فيها الرحمة والسكينة على القلوب المؤمنة.


































