مقالات نقدية:
المقال العشرون
ا.د حمام محمد..جامعة الجلفة..الجزائر
ليلةُ القَدْر والنور الإلهي في العشر الاواخر : قراءة أنثروبولوجية في سرّ العطية الربانية
ليلة القدر…يترقَّبها المؤمنون في خفايا الليالي العشر، مصداقًا لقول الصادق المصدوق ﷺ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في الوِتْرِ من العَشْرِ الأوَاخِرِ من رَمَضَانَ».إنها من الأيام المقدَّسة، لأن مولانا سبحانه دعا إلى تعظيمها، فهي ليلة ذات ارتباطات قدسية بما سخَّره الله للبشر من خزائن الرحمة والرضوان.
والمناقشة الأنثروبولوجية هنا لا تشمل الوقفة العقدية التي أدركتها أحاديث النبي الكريم ﷺ وتناولها العلماء بالتحليل والتفسير، وإنما هي حديث أنثروبولوجي أعمق من حدود الرمز وتبرير المناسبة من الوجهة العقلية المجردة. فقد ذهب بعض الباحثين إلى أنها طقس بدئي، وما هي إلا ريحانة من خزائن الله، قوامها الرضا والبشائر للعباد الذين ظنوا أنهم أدركوا مواقعها، حتى يباشرهم الله بعظمة الثواب.
فكيف تكون هذه العطية التي منحها تعالى لعباده على السواء؟إنها دعوة عامة لجميع المؤمنين، لم تكن متخصِّصة لفئة دون أخرى، وهذا فضل من فضائل الله الكثيرة. فهي هدية غالية من لدن كبير؛ ولك أن تتصوّر عندما يهديك الله ـ الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: 11)، وهو الخالق البارئ المصوِّر، مالك السماوات والأرض ـ تشرقُ روحك ويبيضُّ وجهك، ويعوم النور الإلهي على عباده فيزيدهم رضا.
هذا الواحد القهّار، خالق الجنة والنار، هو الذي يشرف على عطاياه لعباده ويمنحك إيّاها بعد عبادات تؤديها قولًا وفعلًا، دون أن يجعل بينها وبينك مشاقَّ تُنهكك؛ لأن البشارة جُعلت للجسم الإنساني الذي خلقه الله وهو أعلم به، كما قال تعالى:﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا • فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس: 7–8).
فلا تكن في مرية من هذه الحقيقة: ربٌّ واحد يمنحك هديةً قد تضمن لك الخلود في الآخرة، وتمنحك عيشةً في ضمان الله. وهو الأمر الذي تسعى إليه الإنسانية المسلمة لبلوغه، ولو بالتشدّد في الجوع، والتصدّق بالمال، وتعدّد الأذكار والصلوات إلى ما لا يُحصى.
لقد أخفى مولانا موعدها رمزًا لتعظيم العبادات في العشر الأواخر، وكأنما ينظر إلى هيللة البشر جميعًا بالاحتفاء في هذه الأيام المباركات. ومهما كانت القدسية واستعمالات الزمن المقدس عند علماء الأنثروبولوجيا، فإن ما أعدَّه الله في هذه الليلة لا تدركه الأبصار ولا تحيط به العقول؛ قال تعالى:﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر: 3.
وقد تحدّث علماء الإنسان عن ظاهرة التقديس والرمزية والحدود الفاصلة بين المقدس والدنيوي، غير أن الفكر الإسلامي سبق إلى إدراك عمق هذه الظاهرة. فقد أشار عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته إلى أثر الدين في تشكيل العمران الإنساني وتوجيه الطقوس والعبادات نحو المعنى الاجتماعي والروحي معًا. كما نبَّه أبو حامد الغزالي في إحياء علوم الدين إلى أن العبادات ليست مجرد حركات ظاهرة، بل هي رموز لحقائق روحية تتجاوز ظاهر الفعل إلى مقاصد القلب. وتحدّث أبو الريحان البيروني في دراساته عن الأمم والديانات عن ظاهرة الزمن المقدّس والاحتفاء الديني بوصفه تعبيرًا عن حاجة الإنسان إلى الاتصال بالمطلق.
ومع ذلك، فإن ما أعدّه الله في هذه الليلة لا يحيط به تحليل ولا منهج وضعي؛ لأنه من فيض الرحمة الإلهية التي ﴿وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (الأعراف: 156). قد يسميها الناس رحمة، وقد ينعتونها رأفة، وهي أكبر من كل وصف يدور في خلد العقل البشري.
وسيأتي يوم تُرفع فيه الحجب، وينال العلماء والصابرون ومؤدو الطاعات لوجه الله الكريم ذلك المقام، حين يخاطب الحق سبحانه أهل الجنة بقوله:«أَلا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا».
وبمثل هذا الرضا يريد الله لعباده في العشر الأواخر أن يبلغوا تلك المكانة؛ فحقيقة هذه الليلة رضا تام من الله، يفيض على كل اسم كتب له أن يخرج من غياهب الغيب إلى نور العناية الإلهية.
لقد بقيت الأنثروبولوجيا تحلّل الأطوار العلائقية للإنسان بحثًا عمّا يقرب الفهم إلى سرّ المقدّس، لكنها كثيرًا ما تقف عند حدود المنهج الوضعي؛ لأن الأمر يتجاوز أدواته. وربّنا ـ كما ورد في الحديث الشريف ـ «إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مئةً إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة»، وهي صفات تتجلّى آثارها على من يجتبيه الله من عباده بعد الطاعات إلى هذا الفضل العظيم.
فكيف لا تكون ليلةٌ خيرًا من ألف شهر؟إن العنصر الواحد من معانيها قد يمتدّ بعمر ألف شهر، يُشرَح في صفة من صفات الله جل جلاله.اللهم نسألك نورك الذي يضيء القلوب، ورضاك الذي يملأ الأرواح.


































