أبو الدنسات
حكايات في رمضان
الحلقة الواحدة والعشرون
بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين
وُلد في مغارة محفورة في خاصرة الجبل، وأرضها رطبة تختلط فيها أنفاس البشر بنفَس البهائم. في أحد الجانبين كانت العائلة تنام متلاصقة اتقاء البرد، وفي الجانب الآخر أبقار وحمير ودجاج وحمام، لا يفصل بينهم سوى عادة الفقر، ولا يجمعهم سوى الرائحة.
منذ طفولته كانت يده الصغيرتان تسبق عينه. لم يعرف معنى “ ليس لي ”، فسرق رفاقه، ومدّ يده إلى بيض دجاج الجيران، وكل ما يقع تحت نظره كان مباحًا في عرف جوعه. ثيابه بالية ، تهب عليها رياح الفقر المدقع ، بلا سروال تحت ثوبه، ولا يعرف النظافة. وكان رأسه عامرًا بالقمل، لا يفارقه كما لا تفارقه سمعته، ورائحته تسبق خطاه أينما حلّ.
عاش وأهله على موائد الآخرين؛ صحن يُرسل، وثوب يُتصدق به، وكلمة شفقة تُقال. وحين شبّ، عمل بالأجرة: ينقل الجارة ، يحصد، يرعى الغنم، ويبني السلاسل الحجرية… يكدّ بيد، ويأخذ بالأخرى ما ليس له.
تزوج من صبية فقيرة مثله من غير عشيرته، وكان أهلها—وقد غُلبوا على أمرهم—يرسلون لهما الطعام والشراب. أنجب أولادًا وبنات، كبروا، واشتغلوا، وفتح الله عليهم مالًا وفيرًا. عندها تغيّر وجه المغارة، لكن لم يتغيّر ما في الصدر.
بدأ يشتري الأراضي، ثم صار يقتطعها. يغتنم غياب الجيران، يمدّ الحدود، ويصنع أمرًا واقعًا. ومن احتجّ، وجد نفسه مضطرًا لبيع أرضه بأبخس الأثمان، خوفاً من شرّه الذي صار أسطورة . كبرت الأملاك، وتكاثرت العقارات، وكان مصدرها واحدًا: مالٌ أُخذ بغير حق.
في صمت القدر المهيب ، دبّ المرض في بيته ، أقعد بعض أولاده ، كأن سكيناً قطع أوتار حياتهم ، لا حادث ولا وباء، بل وجع ثقيل لا تفسير له في دفاتر الأطباء. باع قطعة أرض، ثم أخرى، ثم ثالثة، ينفق أثمانها على العلاج، كأن الأرض نفسها تطلب ثمن ما أُخذ منها ظلمًا.
وفي يومٍ حار ، حضر عطوة عشائرية لقضية شاب من عشيرته. كانت زلة الشاب كبيرة، والقلوب متوترة. كان المطلوب كلمة تهدئة، ميزان عقل، لكن الرجل—حيثما حضر—زاد النار حطبًا. ارتفع صوته بين الجمع كأنه حكيم زمانه : «هذه دَنَسَة!»
ساد صمت ثقيل. التفتت الوجوه إليه، لا إلى الشاب. ذكره أهل الفتى بمغارته، وبيده الطويلة، وبالأراضي التي كبرت على حساب غيره. انكمش صوته، واضطر للاعتذار، وهو يسمع اسمه القديم يُقال همسًا وعلنًا: “أبو الدنسات ” .
خرج من المجلس مطأطئ الرأس. لم يكن العيب في كلمة قالها، بل في سيرة كاملة ظنّ أنها دُفنت تحت العقارات. عندها فقط أدرك أن الماضي لا يمرض … لكنه ينتظر ، وأن الخاتمة ليست كلمة تقال ، بل صدى أفعالنا يعود إلينا ، وعلى رأي المثل الشعبي : ” كما تدين تدان ” .



































