( المُفتن ) … !!!
حكايات في رمضان ( الحلقة 19 )
بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين 🇵🇸
لم يكن كل من لبس عباءة الدين أهلاً لها،
فبين الناس من يتخذ الفتوى تجارة، يقلب بها الحقائق كما تُقلب الدراهم في الكف؛ يحرّم حين يشاء، ويُحلّل حين يشاء، لا وفق ميزان الشريعة، بل وفق ما تميل إليه المصلحة والهوى.
في إحدى البلدات، كان هناك شيخٌ يقصده الناس لحل مشكلاتهم. كانت له لحية بيضاء تمنحه وقاراً ، وعمامة تزيده هيبة ، ومجلس يفد إليه الناس من كل حدب وصوب يستفتونه في إمور دينهم ودنياهم ، كانوا يرون فيه ملاذاً لحل مشاكلهم ، غير عالمين أن المال وحده هو ما يحرك فتاواه ، وظنّ كثير من البسطاء أنه من أهل العلم والورع.
ذات يوم، قصد بابه عددٌ من العمال الذين يعملون في مستوطنة قريبة من بيوتهم. تجمعهم بشرة سمراء سحنتها الشمس ، وأيادٍ جافتها نعومة العيش ،كانوا يحملون في صدورهم سؤالاً يثقل ضمائرهم، ويؤرق لياليهم.
استقبلهم الشيخ مرحباً، وقدّم لهم القهوة، وراح يرقبهم بعينين ثاقبتين ، حتى استجمع أكبرهم شجاعة ، وقال : ” يا شيخ، نحن نعمل في مستوطنة مقامة على أراضينا… فهل عملنا حلال أم حرام”..؟
تغيّر وجه الشيخ فجأة، وانتفخت أوداجه ، وارتفع صوته غاضباً: “هذا حرام شرعاً! كيف تعملون عند أعداء أمتكم؟”
قال عامل آخر بصوت خافت: “نحن مضطرون يا شيخ… لقمة عيش أطفالنا “.
لوّح الشيخ بيده قائلاً بحزم: “عليكم بالبحث عن عمل آخر لا رزق في معصية الله ” .
شكر العمال الشيخ على فتواه، وغادروا منزله، يجرون أذيال الخيبة ، وكل واحد منهم غارق في التفكير. لم يكن أحدٌ منهم قد توقّع هذا الجواب. ومع ذلك، ظلّوا يذهبون إلى عملهم كالمعتاد، ريثما يجدون بديلاً يسدّ رمق عائلاتهم.
ومضت أيام قليلة.
في مساءٍ هادئ، جمع صاحب الشركة –وهو يهودي من أصلٍ مغربي يتقن العربية– عدداً من العمال، وقال لهم: ” أريد أن أجلس مع شيخ مسجدكم ، لديّ سؤال مهم: هل سرقة اليهود حلال أم حرام؟ ” فقد تعرّضت شركتي للسرقة من بعض الأطفال المسلمين. نقل العمال الرسالة إلى الشيخ، فوافق فوراً وحدّد يوماً للقاء.
وفي الموعد المحدد، حضر اليهودي مع بعض العمال إلى بيت الشيخ. حيث استقبلهم بابتسامة عريضة ، وقهوة عربية ، وكرم لم يعهده العمال في زيارتهم السابقة ، ثم عرض اليهودي مشكلته.
ما إن سمع الشيخ الكلام حتى هبّ غاضباً، وقال بصوتٍ صارم: “هذا حرام شرعاً! لا يجوز سرقة أحدٍ تحت أي ظرف، وسرقة اليهودي كسرقة المسلم ، لا فرق “.
شكره اليهودي على حسن الضيافة ووضوح الفتوى، ثم التفت إلى عماله قائلاً على مسمع الشيخ: “قولوا لجيرانكم: إن سرقة اليهود حرام شرعاً “.
انتهى اللقاء، وغادر العمال المجلس.
لكن ما حدث بعد ذلك كان أكثر إثارة للدهشة…
فما ان ابتعد العمال قليلاً عن الباب، حتى استوقف الشيخُ الرجلَ اليهودي على انفراد، وقال له بصوتٍ خفيض: ” سيدي … ان كان في شركتك مكان … ابني شاب نشيط ، يبحث عن عمل .. لو تفضلت “.
وصلت الكلمات إلى آذان العمال الواقفين غير بعيد. تبادلوا النظرات المصدومة، وقال أحدهم هامساً: ” بالأمس قال لنا إن العمل عنده حرام… واليوم يطلب أن يعمل ابنه عنده!
خرجوا من المكان وقد انكشفت لهم الحقيقة، وراحوا يذكرون الشيخ بسوء في العلن والسر.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد كثيرون يرونه مفتياً كما كان يظن نفسه… بل مُفتناً يضلّ الناس بفتاواه.
فالمفتي الحقّ من خشي الله في قوله وفعله، أما من قال ما لا يفعل، فقد صدق فيه قول الله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. وبقي العمال على حالهم ، يبحثون عن رزق حلال ، لكنهم فقدوا الثقة بمن يفترض أن يكونوا قدوة ، وما أكثر أمثال هذا ( المُفتن ) بين ظهرانينا ، هداهم الله جل في علاه .




































