الأمانة الضائعة
حكايات في رمضان
الحلقة الثامنة عشر
بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين
كان البيت الكبير يغفو تحت ثقل الصمت، لم يعد يصدح بضحكات الوالدين، ولم تعد روائح القهوة العربية تفوح من مجلسه. تركا لهم تراثًا من الأرض، فجأة تحولوا من إخوة تجمعهم مائدة واحدة إلى شركاء في ميراث. اتفقوا على أن يكون الأخ الأوسط وكيلًا عنهم، يوقع الأوراق عند بيع تلك الأراضي، فكان أكثرهم حنكةً، أو هكذا ظنوا.
بيعَت الأرض قطعةً قطعة. وبدلًا من أن يعود رنين المال إلى محافظ الورثة، اختفى في متاهة أعذاره الجاهزة: “أجرة المحامي”، “تخمين المساح”، “عمولة السمسار”. كان يقف أمامهم مبتسمًا، يروي مشقة الإجراءات، بينما كانت جيوبه تتنفس بعملات سمينة.
لم يُشر إلى السعر الحقيقي، بل وزع المبالغ بنظامٍ غريبٍ من صنعه ، يستغل طيبة القلوب التي لم تشكك في دم يتدفق في عروقها. بعضهم أخذ حقه، وبعضهم تقاسم الفتات، وكلهم غمرتهم الثقة العمياء.
أما هو، فكان ينسج من خيوط الأمانة رداءً فاخرًا لحياة جديدة. ارتفع بيتُه ، سيارةً فارهةً تخطف الأنظار، وتفاخر ملبسُه، وامتدت رحلاته إلى بلادٍ بعيدة، وامتلأت موائده بما لذ وطاب. عاش سنوات الرفاهية على أنقاض أمانةٍ دُفنت في صمت.
بل وتحول إلى “المحسن الكريم”! يتصدق ويعطي، يشتري السمعة الطيبة بدراهم لم تكن من كسب يمينه، يبني مجده على أشلاء حقوق يتامى وأرامل. وكانت الابتسامة لا تفارق شفتيه، بينما قلبه يحمل أسرارًا ثقيلة.
لم تكن كل القلوب صامتة. هبت رياح المطالبة من بعض الأخوات، فهرب وراء حجج واهية: الحرب، سعر العملة، ظروف السوق. لكن صوت أختٍ واحدةٍ ظل يلاحقه، كنداء ضمير لا يكل. اتصلت مرة وأخرى، حتى لم يعد يطيق رنين هاتفه. فحجب رقمها، لتنطلق الآهات إلى زوجته، ففعلت مثله، فأُغلقت الأبواب جميعًا.
استسلم بعضهم، رافعين أكف الضراعة إلى الله الذي لا تضيع عنده الودائع.
وفي لحظة من لحظات القدر، بدأ جسده يترنح. تسلل المرض إلى جسده كما تسلل الخداع إلى أفعاله. غاب عن عمله، فخسر. تهاوى رصيده، فخسر أكثر. تحولت الرفاهية إلى كابوس: ديون تتراكم، ودائنين يطاردونه عند كل منعطف. صار مختفيًا، يوصي أولاده أن يقولوا: “ليس هنا”. وأصبحت سيارته الفارهة -شاهدةً على مجده الزائف- عبئًا يخاف منه، فباعها بأبخس الأثمان، وتبعها الأرض التي اشتراها من أموالهم، بثمنٍ بخسٍ.
وأخيرًا، وجد نفسه يجر أقدامه في شوارع الحياة، يركب سيارةً “مشطوبة” تهتز بكل حجر، تذكره كل اهتزازة بسقطته. تتحاشاه الأنظار التي كانت تحسده، وتطارده ديون البقال والجزار. صار يموت في كل يوم ألف مرة، ميتة الضمير، ميتة الكرامة، ميتة الأمان.
وفي عزلة قاسية، في ظل السيارة الخربة، أدرك أن الخاتمة ليست في الفقر، بل في ذلك الصدى البعيد لأصواتٍ كانت تثق به، والتي حولها إلى حطام. فالأمانة شعاع من نور الله في القلوب، وإذا انطفأ، فلا بد أن تمتد الظلمة إلى كل شيء.


































