الصديق الوفي … !!!
حكايات في رمضان ( الحلقة 17 )
بقلم : زياد أبو صالح / فلسطين 🇵🇸
كان فلاحٌ بسيط يعيش من تعب يدّيه ، يمتلك ثورين : أحدهما أبيض قوي ، والآخر أسود أنهكه المرض . كان يعتمد عليهما في حراثة أرضه ودرس محصوله على البيدر . وحين انتهى موسم الحصاد ، ربط الثورين بلوح الدراس ، وبدأت عجلة الدراس تدور ، فكان الثور الأبيض يسحب اللوح بثبات ، بينما كان الأسود يتعثر كأنما يحمل جبلاً على ظهره . وطلب من أبنائه مراقبة الثور المريض ، وأوصاهم بذبحه فوراً أن عجز عن العمل .
لكن القدر خبّأ ما لم يكن في الحسبان ؛ إذ تزحلق الثور السليم على حجرٍ أملس ، وسقط أرضاً كأنما انكسر ، فظنّ الأبناء أنه المريض وبادروا بذبحه . وفي اليوم التالي ، نفق الثور المريض ، فخسر الفلاح دابتيه معاً ، وتوقّف عمله .
لم يجد بداً من استدانة بعض النقود ليشتري ثوراً يكمل به درس محصوله . وبعد أن جمع ثمن الثور والذي كان يقدر في حينه بخمسة دنانير ، قرر التوجه سيراً على الأقدام إلى سوق الأغنام والمواشي في مدينة الرملة . وفي طريقه ، تذكر خالته العجوز ، دخل بيتها المتواضع ، فقبلت جبينه واستقبلته بحنان ، وقبّل يدّها ، فأعطته دجاجة بلدية ، قائلة له : ” بعها واشترِ لأولادك ما يسُدّ جوعهم ” .
توقف الرجل عند بئر ماء ، وربط النقود داخل منديل وربطها في أرجل الدجاجة ، وعلق ثيابه على غصن شجرة خروب ، ونزل إلى البئر ليبلل شفتيه الجافتين ، ويستحم من شدة حرارة الشمس .
صادف الرجل طير يحوم من فوق رأسه ، وفجأة نزل إلى الأرض لإصطياد الدجاجة . وبالفعل حملها بين مخلبيه ، ومعها النقود ، وطار بها بعيداً عن نظر الرجل .
خرج عارياً من البئر يصرخ ، يلوح بذراعيه كطائرٍ أرضي مُحطم الجناحين ، وحاول مُطاردة الصقر لأخذ النقود التي هي ثمن الثور الذي سيقوم بشرائه ، واستمر في مُطاردة الصقر ، لكن الصقر صعد إلى الأعلى وكأنه يضحك .
عاد إلى البئر كي يرتدي ثوبه ، فوجد الثوب مسروقاً من قبل أشخاص مروا من المكان ، احتار أمر الرجل ، وتوجه إلى شجرة الخروب البعيدة عن البئر ، كي يتوارى عن أعين الناس ، وينتظر الظلام كي يعود إلى بيته كما ولدته أمه .
وصل منزله منهك القوى ، أضاءت زوجته فانوس الكاز ، وقصّ عليها ما جرى ، وطلب منها تجهيز نفسها والأولاد ، كي يذهبون إلى بلدة أخرى ، بعد أن ضاق بيهم الحال ، وبالفعل جهزوا أنفسهم ، وأخذوا ما يلزمهم ، وساروا في الطريق متوجهين إلى بيت صديق له ، يقع بعيداً عن مكان سكناه .
ساروا حتى منتصف الليل ، حتى وقفوا أمام بيت من الطين ، نافذته مضيئة ، وطرق الرجل باب المنزل ، فسأل زميلهُ من الطارق ؟ فأعلمه باسمه ، فتعرف الصديق على صوته ، وفتح له الباب ، ورحب به أحسن ترحاب ، وقص عليه قصته من أولها حتى أخرها .
وهنا ، سارع صديقه إلى احضار عشرة دنانير ثمن العجول التي سيقوم بشرائها ، قائلاً له : ” خذها ، وأكمل درس حصادك ” . فشكره على فعلته ، ونام مرتاحاً حتى طلوع الفجر ، وبعد تناولهم طعام الفطور من خبز الطابون البلدي والعسل والبيض والحليب والجبنة ، توجهوا إلى سوق الغنم والمواشي فرحين يدعون للرجل الذي استضافهم بأن يمّد الله في عمره ، وأن يكون عمله في ميزان حسناته ، واشترى الرجل ما يلزمه ، وعاد ليكمل درس محصوله .
وفي العام التالي ، جاء المحصول وفيراً ، قام ببيع جزءاً منه لسداد ديونه ، ورصد مبلغ عشرة دنانير كي يعيدها إلى صديقه الوفي .
وصل بيت صديقه ، ورحب به كالعادة ، وناوله الدين المستحق عليه ، وهنا أصر صديقه بعدم أخذها بتاتاً ، قائلاً له :” أنا أعطيتك إياها لوجه الله تعالى قرضاً حسناً ” شكر صديقه على حسن كرمه وموقفه الذي لم ينساه ، وعاد فرحاً إلى بيته ، وأخبر زوجتة بالأمر ، وبأن بعض الديون لا تسد بالنقود بل تبقى عالقة في القلب كالندى الجميل ، ثقيلة وحلوة . وكيف سيرد إلى صديقة المعروف في قادم الأيام .
في طريق العودة ، توقف عند البئر نفسه ، نظر إلى الأعلى ، فرأى صقراً يحلق في الأعالي ، حراً كريماً ، ابتسم وكأنه رأى شيئاً من روح صديقه في ذلك الإرتفاع الشاهق .



































