عن ماذا أتكلّم؟
أعنِ الحربِ؟
أعنْ آلاتِها وهي تُجيدُ البلاغةَ أكثرَ مِنَ الخُطَبِ؟
أم عنِ الأمّهاتِ اللّواتي
يُتقِنَّ الصّبرَ
عن ماذا نتكلّم؟
منذُ العامِ خمسٍ وسبعينَ
والرّيحُ تعرفُ كلَّ العناوين
أيُّ حديثٍ يُقالُ في حضرةِ الحرب؟
وهيَ لا تتركُ
إلّا فُتاتَ حياة..
كلُّ شوائبِ العيشِِ
تتجمّعُ حينَ تُرفَعُ البنادقُ
ويصيرُ القلبُ متراسًا
والطّفلُ سؤالًا بلا جواب..
الحربُ
ليستْ معركةً فقط بل
هيَ ظلٌّ طويلٌ
يجُرُّ وراءَهُ الجوعَ
والشَّكَّ
والشّلَلَ
وتكسُّرَ المرايا في عيونِ النّاس..
أمّا السّلامُ
فلا يحتاجُ إلى جلبةٍ وضجيج
يكفي أنْ يستيقظَ الصّباحُ
بلا صفّاراتِ إنذار
وأنْ يعودَ المساءُ
من غيرِ أنْ نعُدَّ الغائبين..
كلُّ الجمالِ
يسكنُ حيثُ يقيمُ السّلامُ
وكلُّ السّعادةِ
تولدُ حينَ لا نُدرِّبُ أبناءَنا
على فنونِ القتال وأسلوبِ الاختباء..
كفانا حربًا…
كفانا دفاعًا عن أوهامٍ
صاغَتْها خيالاتُنا وأساطيرُنا الدّينيّة والعقائديّة
ثمَّ صدَّقناها
حتّى صارَتْ أوطانًا من دخان..
كفانا أنْ نُسمّيَ الخرابَ بطولةً
وأنْ نُعلِّقَ على صدورِنا
أوسمةَ الشّهادة
باسمِ اللهِ
باسمِ العبادة..
نريدُ حياةً فقط
حياةً عاديّةً
تُشبهُ ضِحكةَ طفلٍ في ساحةٍ آمنة
وتُشبهُ قلبًا
لا يعرفُ الفرقَ
بينَ البقاءِ
والنّجاة
عن ماذا نتكلّم؟
فَلْنتكَلَّمْ عنِ السّلام…
فهوَ الموضوعُ الوحيدُ
الّذي إذا حضرَ
حضرَتِ الحياة..
كفانا جهلًا…
كفانا غباءً
أنْ نُسمّيَ العتمةَ رأيًا
وأنْ نُقيمَ للغضبِ منابرَ
ونتركَ العقلَ في العراء..
كفانا زغردةً في مآتمِ الأبناء
كفانا أنْ نُلبِسَ الفاجعةَ ثوبَ الفخرِ
ونرفعَ الأكفَّ بالتّهليلِ
فوقَ نعوشٍ لم تكتملْ أحلامُها
باسمِ البطولةِ والوفاء
باسمِ الدّفاعِ عنِ الغرباءِ
وتجاهلِ الأقرباء..
تعالَوا نزيّن العقلَ وعيًا
بدلَ أنْ نرقصَ بين الأشلاء
تعالَوا نختَار السّلامَ طريقًا
والوعيَ نورًا
فلا نسمّي الخرابَ مجدًا
والموتَ فخرًا والتّشرُّدَ عِزًّا
والنّزوحَ انتصارًا..
فالوطنُ
ليس ساحةَ صُراخٍ
بل بيتًا
يحتاجُ إلى قلوبٍ حيّةٍ
لا إلى خُطَبٍ مشتعلة..
كفانا تقديسَ الموتِ
وتأجيلَ الحياة..
كفانا تعليقَ المجدِ
على أكتافِ الغائبين
دعونا ننتصرُ
للحياةِ
للإنسانِ
للسّلامِ
للأمان
لأطفالٍ
وَلدناهُم للحياة.
عايدة قزحيّا
“صرخةُ وعيٍ”


































