المحامي والكمبيالة
حكايات في رمضان
الحلقة الرابعة عشر
بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين
لم يكن عمر “مراد ” قد بلغ السنّ الذي يسمح له بفهم معنى التهم، حين نُطق اسمه في غرفة التحقيق لأول مرة.
طفل لم يتجاوز السن القانوني ، بملامح لم تعرف القسوة بعد، اتهمه رفيق دربه بأنه شريك في سرقة لم يرتكبها، فقط لأن صديقًا خائفًا قرر أن يخفف عن نفسه الحمل، كما يقال في المثل الشعبي :” إذا بتوزع الحمل بنشال ” .
كان “مراد ” مدللًا في بيته، لا يعرف الحرمان طريقًا إلى غرفته. أبواه موظفان، يعودان مع المساء محمّلين بكل ما تشتهيه الأنفس ، ولم يكن المال يومًا سببًا لأن يمدّ يده إلى حرام. لكن السجن لا يسأل عن الماضي، ولا عن التربية.
في التحقيق، لم تُطرح الأسئلة بقدر ما نزلت الضربات، تعرض الفتى لضربٍ مبرح ، سلك كهربائي سميك التفّ حول رأسه وجسده، وصوت المحقق يعلو: «اعترف… أنا أزعم شنب اعترف على يدّي».
وكان ” مراد “، رغم صغر سنه، يصبر. أيامٌ ثقيلة مرت وهو ينكر التهمة، لا لأنه شجاع، بل لأنه بريء، والبريء لا يجد ما يعترف به.
سعى أهله ، الحائرون بين الصدمة والرغبة في إنقاذه ، إلى محامٍ للترافع عنه .
دخل الرجل إلى مركز التوقيف بثقة، قدّم نفسه، وابتسم ابتسامة مطمئنة، ثم أخبر ” مراد ” بأنه منقذه ، ومدّ أوراقًا إلى الطفل:
وطلب منه التوقيع عليها ليمثل أمام القضاء ، لقد نسي الأهل في غمرة حيرتهم ، شرطاً اساسياً : حضورهم أثناء توقيع مثل هذه الأوراق .
لم يكن ” مراد ” يعرف معنى الوكالة، ولم يلاحظ الورقة التي دسّها المحامي بين الصفحات. كمبيالة صامتة، انتظرت توقيعًا بريئًا ، كي يستغلها المحامي لاحقاً .
وقّع مراد لأنه متعب، ولأنه يثق بالكبار، ولأنه لم يُخبر أن التوقيع قد يكون سجنًا آخر مؤجّلًا.
ترافع المحامي عدة جلسات، وخرج ” مراد ” أخيراً ، براءة رسمية لعدم كفاية الأدلة .
خرج مراد من السجن، وخرجت معه آثار الضرب، وبقيت الكمبيالة نائمة في درج المحامي.
دفع أهله الأتعاب، أكثر مما تستحق القضية. شكروا الرجل، وانصرف كلٌ إلى طريقه، ظناً منهم أنه أدى الأمانة ، وأن القصة انتهت.
لكن بعد أشهر، طرق الباب ظرف رسمي.
بلاغ من المحكمة. مطالبة بدفع خمسة آلاف دينار أتعاب محاماة.
جنّ جنونهم. اتصلوا بالمحامي، فهددهم:
«أي مراجعة، أرفع عليكم قضية تشهير».
خافوا على ابنهم من سجنٍ آخر.
ودفعوا الكمبيالة… قسطًا بعد قسط، عبر المحكمة، وهم يعلمون أن التوقيع صحيح، وأن الخيانة كانت أوضح من أي تزوير.
تحول الفرج إلى غمّ ، والامتنان إلى لعنات صامته ، أخذا والدا مراد يدعوان في صلاتهم :” اللهم انتقم منه في جسده ، واجعل ما أخذه حراماً ذريعة لأمراض لا تُبرأ ، وأصبحت تلك الدعوات جزءاً من طقوس العيش ، رجاءً في عدالة قد لا تأتي إلا من السماء .
مرت السنوات، وكبر مراد. تعلم شيئًا لم يُدرَّس في المدارس: أن التوقيع قد يكون أخطر من الاعتراف، وأن بعض السجون تبدأ بورقة، وكان ينصح كل شخص لديه قضية في المحاكم ، بأن لا يوقّع أبداً على ورقة أمام محامٍ أو غير محامٍ إلا بعد قراءتها وفهمها جيداً ، وإن عجز عن القراءة ، فعليه الإستعانة بمن يثق بهم ليقرؤوها على مسامعه ، وليكن الاتفاق على التكاليف مسبقاً ، كتابة ووضوحاً .فالامانة قد تخون ، والقانون قد يستغل . والحقوق لا تضيع بالتقادم، والأوراق لا تنسى،وكل مالٍ أُخذ بالحيلة، سيطالب به صاحبه يومًا… إن لم يكن في محكمة الأرض، ففي محكمةٍ لا تُزوّر فيها التواقيع .


































