سامر … والقاضي … !!!
حكايات في رمضان ( الحلقة 13 )
بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين 🇵🇸
لم يكن ” محمود ” يرى في الكاريكاتير الذي سرقه عن الشبكة العنكبوتية ، سوى ضحكة عابرة، لكن رسمة واحدة، لرجلٍ بآذانٍ طويلة، كتب تحتها :” هذا حال الصحافة في بلادي ” كانت كافية لتوقظ خصومة قديمة.
لم يصرّح بالاسم، غير أن القصد كان مكشوفًا: زيد، ابن العم، والصحفي المخضرم الذي شقّ طريقه في حقل الصحافة بعرق السنين.
لم يصمت زيد , كتب مقالًا طويلًا، لم يهاجم فيه ” محمود” بقدر ما دافع عن مهنةٍ آمن بها عمره كله. مهنة المتاعب ( الصحافة ) ، ولم يخفِ استياءه ممن أساء إليها، فكانت الكلمات حادة، جارحة، صريحة.
لم يحتمل محمود المقال، فاختار طريق القضاء، ورفع شكوى يتهم فيها ” زيد ” بالتحريض والإساءة عبر الشبكة العنكبوتية.
في ذلك الصباح البارد ، كانت أروقة المحكمة تعجّ بأصواتٍ مكتومة وحركات متسرعة ، دخل ” زيد ” المحكمة يرافقه ابنه سامر.
وقبل أن تطأ أقدامهما القاعة، أنحنى زيد نحو ابنه ، وقال بصوت خفيض : ” كأنه يخشى أن تسمعه الجدران ” المحامي شقيق محمود … ” أهانني بكلمات نابية ” ثم أمسك بذراع سامر بحزم ، قال له بهدوء الأب المجرب :” التزم يا ولدي ، سأحل الأمر لاحقاً ، ولكن الآن لا تصنع الفوضى ” .
لكن سامر، الذي لم يعرف في حياته قبول الإهانة لوالده، شعر أن الكلمات كانت أثقل من أن تُحتمَل.
دون علم أبيه، اتصل بإخوته. حضر الإخوة كالريح ، ومع خروج المحامي من المحكمة ، متهالكاً بثقة المنتصر ، هجموا عليه كالذئاب ، وتهاوت عليه اللكمات أمام أعين المراجعين. صرخ مستغيثًا طالباً النجدة ، وتدخلت شرطة المحكمة لتفريقهم .
كان “سامر ” يحاول إبعاد إخوته، لا خوفًا، بل رفضًا للفوضى التي طالما كرهها منذ صغره.
عادوا إلى البيت، وهم يدركون أن فصلاً آخر من القصة سيُكتب. وبالفعل، قُدّمت شكوى جديدة، شملت زيدًا وأبناءه الخمسة.
امتدت القضية سنوات، تبادلت فيها الإفادات، وتآكلت الأعصاب في أروقة الانتظار.
وقف المشتكي يومًا أمام القاضي ، واضعًا يده على المصحف، وقال ما يناقض دعواه: أن زيدًا لا يمت للصحافة بصلة… شعر سامر بغصة في حلقه ، فالجميع يعرف أن أباه عاش للصحافة ، وكانت سيرته أصدق شاهد .
وبعد سنين من الانتظار ، صدر الحكم ببراءة الأب والأبناء الأربعة لعدم كفاية الأدلة ، لكن المفاجأة كانت في حكم منفصل : إدانة سامر بالسجن لمدة شهرين ، رغم شهادة المشتكي نفسه كانت تؤكد أنه لم يتدخل .
اقتاده رجال الشرطة إلى النظارة، ذلك المكان الضيق ذي الجدران العالية ، دخلها مرفوع الرأس، لم يجزع ، ومكث فيها ساعات، قبل أن تُدفع الغرامة ويُطلق سراحه.
سأل سامر نفسه، دون أن يجد جوابًا:
كيف يدان البريء ؟ وأي قانون هذا الذي يحمي المهين ويعاقب المدافع عن شرف أبيه ؟
عاد إلى بيته، وإخوته يحيطون به، فرحين بالسلامة، غير مكترثين بالغرامة.
المهم أن كرامة الأب لم تُمس.
كان أوس، ابنه الصغير، بانتظاره على الباب ، احتضنه سامر طويلًا، بينما وزّع الإخوة الحلوى على من حضر مهنئًا.
وفي تلك اللحظة ، لم يشعر سامر بالهزيمة، بل بقوة غريبة تملأ صدره ، وتعلم أن الدفاع عن الكرامة قد يكون مكلفاً ، لكن سعره رخيص أمام ذلك الصمت ، ولم يندم لأنه خسر معركة في محكمة البشر ، لكنه كسب يقيناً بأن هناك محكمة أعلى لا يضيع فيها حق، ولا يفلت منها ظالم .



































