الأخرس … والكنز … !!!
حكايات في رمضان ( الحلقة 12 )
بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين 🇵🇸
في يوم ربيعيًّ صافٍ، انساب ضوء الشمس الذهبي على التلال الخضراء، حيث رعى الأب غنمه في صمت وقور. لم يكن الصبي أحمد سوى ظل فرح يتراقص حول والده، يقطف الأزهار البرية ويطارد الفراشات الملونة ، قاده فضوله الطفولي إلى بئر مهجور قريب من المكان . رفع الغطاء الثقيل ، وانزلقت قدماه … فسقط في جوف البئر الممتلئ بالماء البارد .
لم تكن سقطة عابرة، بل كانت فاصلةً مصيرية. هبّ الجيران، وجاء رجل مغوار أجاد السباحة، نزل إلى القعر المظلم، وأخرجه وهو يشبه الموت.
أسعف أحمد ، وعاد إلى الحياة ، لكنه لم يعّد كما كان ، فقد تركت الحادثة أثرها العميق ، وسلبته نعمة السمع إلى الأبد .
صار أهل القرية ينادونه : “الأخرس”. لكن والده، كجبل الصبر، لم يستسلم. أرسله إلى مدرسة تعلّم لغة الأيدي والوجوه، لغة الإشارة. هناك، لم يكن أحمد تلميذاً عادياً، بل تفوّق كالشمس بين النجوم. تعلم القراءة فسافر بعقله، وتعلم الكتابة فأنطق يديه، وتعلم الصلاة فأنس بصمته مع ربه ، وصار يعبر عما يريد بكتابة سريعة على كفه أو على ورقة صغيرة .
كبر الأخرس، وتحدى صمته بأن أصبح رئيساً لنادي الصم والبكم في المحافظة. تزوج، ورزق بأولاد كانوا دنيا صاخبة في بيته الهادئ. لكن قلبه ظل ينبض بقضية أكبر من صمته: قضية وطنه. فسجن أكثر من مرة بتهمة “التحريض ” ومقاومة احتلال جثم على صدور الجميع.
وفي ذات يوم، ذهب مع رفاق أكبر منه سناً، مدفوعين بحلم الثراء السريع، إلى كهف موحش قريب. تحركت المعاول في الظلام، حتى انطلقت صرخة مختنقة من أحدهم: كنز! ها هي عملات قديمة، تلمع تحت وهج المصابيح الخافتة كعيون أشباح.
لم يسمع أحمد هتافهم، لكنه رأى وجوههم المشرقة بنيران الطمع، ورأى لمعان الذهب القديم. فانفجر بداخله بركان من المشاعر، وهزّ يديه في الهواء بلغة أصدق من أي لغة: “أخضر.. أخضر!”، لون العملات، لون الحياة، لون الأمل الذي سرعان ما تحول إلى شؤم.
رأى الرفاق في حركات يديه الهادئة تهديداً، وفي صمته الطويل خطراً. فاحتكمت إليهم شياطين الخوف والجشع. “سيفضحنا غداً!”، همس أحدهم. وفي مؤامرة جهنمية، أسرع أحدهم إلى بيته، وأحضر حبة مهدئة كان يدخرها لأرق لياليه. ذاب الداء في كوب شاي، قدموه للأخرس بابتسامات زائفة.
لم يمض وقت حتى ثقل جفناه، وغلبته موجة من النعاس الكثيف. أشار إليهم بأن يوصّلوه إلى بيته القريب. وافقوا بسرعة، وحملوه كحزمة ثقيلة من الهموم التي تخلّصوا منها، عادوا إلى كنزهم المدفون، فباعوه لتاجر آثار تحت جنح الظلام، وقسّموا المال بينهم، مطمئنين إلى أن الصمت الأبدي شريكهم الأمين.
في صباح اليوم التالي، استيقظ الأخرس وكأن كابوساً ثقيلاً جثم على صدره. تذكّر كل شيء: اللمعان، الوجوه، الخيانة. هرع إلى أهله، وكتب على الورق أن رفاقه خدعوه “رأيت الكنز معهم … أناموني.”
حمل الأهل حقه المهدور وواجهوا الرفاق. لكن وجوهاً كانت بالأمس وجوه أصدقاء، تحولت إلى جدران من الجحود والإنكار. “لا كنز، ولا شيء. هل يصدق أحد أخرساً؟!” قالوها بكل وقاحة وبلا مخافة من ربّ العباد .
صار أحمد كلما إلتقى أحدهم ، يذكرّه بصمتٍ موجع بفعلتهم ، كانوا يضحكون ساخرين ، ظناً منهم أنهم أفلتوا من الحساب ، ولم يعلموا أنهم لم يضحكوا إلا على أنفسهم ، فحقّ الأخرس لم يضع ، بل أودع عند ربّ العباد ، بانتظار يوم تنطق فيه كل الألسنة ، وتقضى فيه العدالة التي لا تحابي أحداً ، حيث لا يضيع حقّ ، ولا ينسى كنز .




































