نقرةٌ ملغومة… كَصحوةٍ بِلا موعد:
في تمامِ السّاعةِ الخامسةِ وَالعشرين، في اليومِ الثّاني وَالثّلاثين من الشّهر الثّالث عشر من عامٍ مجهول، عبثتُ بِمقاييسِ الوجود، استعرتُ زمناً خاصّاً بي، عساهُ يعودُ من مخبئِهِ لِيدقَّ بابَ قلبي ثانيةً، وَلم يأتِ أبداً، فَقد غدا في زمنٍ آخر، كَتوثيقٍ أجوفَ من قرنٍ ضائع، اِتّخذَهُ كَخطيئةٍ مقصودةٍ لاهياً مثلي بِالمواقيت…
قسّمتُ وقتي الجديدَ كَما يحلو لي، وَأنهيتُ وجودي، سحبتُ روحي، جررتُها، وَأسقطتُها في جسدِ دجاجةٍ لا يطيبُ لها إلّا النّقنقة…
لا تسألوني:
لماذا لم تكنْ غيمةً مثلاً، أو شجرة، أو حتّى مجرّد صخرة؟!…
هكذا كان…
لم أجد إلّا هذا الفراغَ لِأملأ بهِ وجعي، وَبِما يتناسبُ مع مُحيطٍ عُجَاب…
إلى جواري دجاجةٌ جارة، تقرقرُ بِلا هوادة، لها الكثيرُ من الصّيصان، يتحلّقون حولَها مَرامَ الدّفء، الاحتضان، والطعام…
أشاركُها السَّكنَ في قنٍّ واسعٍ محايدٍ في حديقةٍ تحيطُ بِدارِ مهجورةٍ في قريةٍ لا مكانَ لها على الخريطةِ، أذكرُها تماماً، دجاجةٌ بنيّةٌ مكتنزة، ريشُها كثيفٌ منفوش، تمشي متبخترةً تتشاوفُ بِعائلتِها الكبيرةِ، وَبِكثرةِ بيضِها، جلُّ مهامِ إنتاجاتِها الحياتيّةِ أن تنتظرَ عرفَ ديكِها الأحمرَ حين يتبدّى تحتَ أشعّةِ الشّمس متغاوياً، تلمحُه عيناها، فَتتمايل غنجاً، وَتكتملُ بهجتُها…
مضى زمنٌ معجوقٌ بِلا ترتيب…
كنتُ الشّاهدةَ على تراجيديا قد تمكّنتْ مِن كينونتِها…
كانتِ المرّةَ الأخيرةَ التي لم تختم فيها فرحتَها، إذ أطلّ مختالاً إلى جانبهِ دجاجةٌ سوداءُ بِريشٍ لامعٍ تسيلُ الخصوبةُ من منقارها، تصغرُها سنّاً، على ذمّةِ الزّمن…
شهقتْ، وقوقتْ، وَربّما جعرتْ حينَها، وَاقتربتْ من غريمتِها غاضبةً، تعارَكَتا طلباً لِحقِّ كلٍّ منهما التفرُّدَ به وحدَه دونَ شريكة…
نفضَ ريشَه، اِشرأبَّ عرفُه، تطاولتْ رقبتُه، هجمَ مسرعاً، وَزعقَ في وجهِ أمِّ صيصانِه مقرِّعاً، لفَّ جناحَه مطوِّقاً عنقَ السّوداء، وَتركَ جارتي البنّيّةَ لِقهرِها…
رأيتُ انهيارَها، لفَّت أولادَها، وَاستسلمتْ…
نقنقتُ حينَها كثيراً متعاطفةً معها، وَتقطّرَ الحزنُ من جَنَباتي لِأجلها، فَقد ظلَّ يصيحُ متفاخراً أنّهُ مَن خُلِقَ لِيوقِظَ الزَّمنَ مِن غفلَتِه…
وَأنّ قبيلةَ الدِّيَكة، يضربونَ المثلَ به في قياسِ السّاعة…
هو من يقرّر، وَيحرّك الكونَ بِريشةٍ من جناحِه…
اِنسحبتُ من فوري، وَبِشهقةِ فزعٍ قاسرةٍ، عدتُ إلى جسدي لِأجدَ ساعةَ الحائط في غرفتي متطاولةً متموّجةً، أرقامُها غيرُ منتظمةٍ، عقاربُها منفلتةٌ، نظرتُ إلى ساعةِ يدي التي أهدانيها، كانتْ متوقّفةً…
بتُّ أتراجعُ لِلوراء، وَقد أتقنَ بطءُ الوقتِ استدعاءَ وهمِ وجودِه معي، وَأجاد تراجعَ الأحداث…
*** *** *** *** ***
وَرحل………..
أغلقَه بِقوّة،
فتحَ بابَ البيت،
حمَلَها، أخذَ مفاتيحَه، وَجوّاله،
جهّزَ حقيبةَ ذكرياتِه،
غضبَ دونَ سابقِ إنذار،
كانَ قربي،
وصاحَ الدّيكُ البعيدُ الذي يعملُ لِصالحِه دوماً كَالوقت، وَلم أستيقظ بعد…
على الهامش النّبيل:
كَدجاجةٍ بلهاءَ حينَها
اِجتزتُ الطّريقَ إلى النّاحيةِ المقابلة من العدم
وَتركتُ فلاسفةَ العالم أجمعين لِحيرةِ تفسيراتِهم
غاده رسلان الشعراني


































