حمدة ( أمّ سعيد ) … !!!
حكايات في رمضان ( الحلقة 9 )
بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين 🇵🇸
بين كروم العنب المُثقلة بالعِذْق، وأشجار الخوخ والبرقوق التي تتهادى تحت وطأة النضج، وعلى مقربةٍ من حقل الزيتون الذي يلمع تحت شمس الظهيرة، عاشت حمدة. نشأت بين أيدي أهلها وهم يصنعون الدبس في قدور نحاسية عتيقة، وينشرون الملبَن والزبيب تحت أشعة الشمس الذهبية. كانت رائحة خبز الطابون الساخن تفوح من بيتهم الطيني، فتلتصق بذاكرتها، وتصبح جزءاً من نسيج أيامها الأولى.
كبرت حمدة، وامتزجت قسوة الأرض بحلاوة ثمارها في نفسها. تركت مقاعد الدراسة لتعين أهلها في حرث الأرض وخدمة البيت، حتى تزوجت من أحمد، الفلاح الوديع الذي كانت خشية الله دليله في كل خطوة. رزقا بأربعة أولاد: سعيد، وطفلتين، ثم سعود الصغير.
كانت حياتهم نسقاً من العمل والتعب المُقدَّس. هو في حراثة الأرض ورعي الأغنام، وهي في قطف الثمار وحلب المواشي، وصنع الزبدة والسمن والجميد. كانت قويةً كالسلسلة الحجرية التي تساعد زوجها في بنائها على منحدرات الجبل، ورقيقة كخبز الطابون الذي تعدُّه لأبنائها.
وفي يوم مشمس، بينما كانت بين أشجار الفاكهة، غافلها سعود الصغير واختفى. قلبها توقف. نظرت حولها بذعر، حتى وقع نظرها على البئر القريب. أسرعت، فرأت جسده الصغير يطفو على سطح الماء. دون تردد، شدت ثوبها بحزامها، وانحنت داخل ظلمة البئر، لتنتشل فلذة كبدها بنفسها، بقوةٍ لم تعرف أنها تمتلكها.
كان حبها لأبنائها ناراً تتقد في صدرها. وكانت صلاتها راسخة في وقتها، كالسنديانة الجبلية.
وفي يومٍ عاصف القدر، بينما كانت تسير في الشارع العام الفاصل لبلدتها، ومعهما ابنتيها الصغيرتان هنادي وأمل ، انطلقت مركبة كالصاعقة. رأتها من بعيد، ثم اقتربت بسرعة مجنونة. في اللحظة الحاسمة، حين أحست بنسمة الموت تلامس وجهها، لم تتردد. قذفت بالطفلتين بعيداً عنها بكل قوة. ودهست المركبة جسد حمدة وابنتها أمل، فسقطتا على الأرض، لتروي بدمائهما الطاهرتان تراب الشارع الذي عاشتا على جانبيه.
دفنتا في مقبرة البلدة، وحملهما الجميع في قلوبهم؛ تلك المرأة الطيبة التي لم تؤذِ أحداً، والتي وهبت نفسها درعاً لأطفالها حتى النهاية.
تحول أولادها الأربعة إلى أيتام في لمحة بصر. انفرط عقد الأسرة، لكن خيطاً من نور أمهم ظل يربط بينهم. دخل سعيد الكبير مدرسة الأيتام، وتعلم، وكبر حتى أسس مطبعة ومصنعاً ناجحاً. وأما هنادي الصغرى، فقد دخلت دار رعاية، وواصلت تعليمها بتميز حتى حصلت على الماجستير. و سعود، الطفل الذي أنقذته من البئر، كبر ليواجه الاحتلال، فسجن سنوات، ثم خرج ليرتقي في صفوف مقاومته. أما الابنة الكبرى، فقد بقيت مع والدها الذي رفض الزواج مجدداً، حارساً ذكرى حمدة التي لم تغب عن باله لحظة، حتى لحق بها.
كبر الأبناء وتشبثوا ببعضهم. تزوج سعيد ورزق بولد سماه “أحمد” على اسم والده. كان الأخوان سعيد وسعود كالجبلين المتلاصقين. حاول الحساد دق إسفين بينهما، لكنهما كانا كتلة واحدة. “لن أتخلى عن أخي سعود”، يقول سعيد بثبات. ويجيبه سعود بنفس الوضوح: “وأنا لن أتخلى عن أخي سعيد”. كانا يحولان ألم اليتم إلى قوة، وحب الأم الغائب إلى رابطة أعمق من الدم.
وعاشا سعيدَين، كما أرادت لهما أمهما التي دعَت لهما بالسعادة ذات يوم. رزقا بالأولاد والأحفاد، الذين نشأوا على قصتها. قصّة المرأة التي سقطت جسداً، لكنها ارتفعت في ذاكرة الجبل والوادي رمزاً للتضحية والحب الذي لا يموت. فالتضحية الحقيقية، كشجرة الزيتون، قد تقطع أغصانها، لكن جذورها تظل حية في أعماق الأرض، تمدّ الأجيال القادمة بقوة الحياة.


































