الاعلام والانتربولوجيا
ا.د حمام محمد
جامعة الجلفة
الجزائر
النفحات في رمضان: عمق انتربولوجي لفهم الخلوة وأداء الطاعات كطقس مقدس
حين يختلي الصائم مع نفسه ويكلمها كلامًا معتقدًا فيه أنه مباشر مع ربه، دون الاعتياد على أن ذلك بعيد، بل يتيقن فقط أنه أمام ربه ويترك الباقي إلى النفحات، أو كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «للَّه نفحاتٌ بين الأذان والإقامة، فلا تدعواهن» — رواه الطبراني في المعجم الكبير وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد على شرط البخاري. والنفحة في اللغة هي انعكاس شخصي لحالة ما إلى حالة جديدة، فهي تحوّل من زمن إلى زمن. وقد عرف اللغويون النفحة بأنها: هبّةٌ صادرةٌ من الذات المؤمنة توقِد القلب نورًا وطمأنينة (انظر: لسان العرب). ولما ترتبط بالديانة تصل كما لو أنها جزء من بركة إلهية تعم ذلك الوضع، بشرط أن يكون المعتقد مهياً بمسيرة لطيفة دينية تعتمد على الطهر والفضيلة، وليس على النغسة؛ لأن الله تعالى يحب العمل الصالح ويثني عليه ويثيبه، كما قال سبحانه «فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ» — الزلزلة: 7.
📌 المقصود بالنفحات الربانية في رمضان
ومن النظرة الأنثروبولوجية العميقة للنّفحة الربانية، يدرك المعتقد المؤمن أنها على أهبة القرب الحقيقي مع الله، إذا استغل ثلاث ساعات من يومه في الطاعات في أوقات مباركة وفي شهر مبارك:
1. ساعة النزول قبل صلاة الفجر، وهو وقت تنزل الرحمة، كما قال ﷺ:
📌 «رَبِّ أَوَّلَ الْفَجْرِ…» (حديث حسن عن النبي ﷺ في فضل صلاة الفجر ونوره، رواه مسلم في كتابيّ الصلاة).
2. ساعة قرب قبل أذان المغرب، وقتُ قبول الدعاء، إذ قال رسول الله ﷺ:
📌 «الدعاءُ مُخٌّ العبادة» (أخرجه الطبراني).
3. ساعة ثالثة قبل شروق الشمس، وهي ساعة الخلوة والسكينة، وقد ورد في سنن الترمذي:
📌 «ثلاثٌ لا تُردُّ دعوتُهم…» وذكر منها دعاء السّاجد والداعي في جوف الليل، فكيف في وقت السحر؟
وقد ثبت في السير عند العلماء، كما أورد البيهقي في الشعب، وعلّقه ابن القيم في زاد المعاد، وذكره السيوطي في الإتقان في علوم القرآن، أن دخول المؤمن في إحساس القرب هو إحساس عالٍ يسمو بالنفس إلى درجة التطهير، ويحس المؤمن أنه سابح في ملكوت السماوات لأنه استلذ حلاوة القرب، أو ما يسميها الإمام الشاطبي في الموافقات: «حلاوة الإيمان.فإن تجمعت تلك الحلاوة — أي الانفتاح النفسي والثقة المطّردة بأنك على مقربة من الوصول إلى الرضا — قبل الحضرة المحمدية، خاصة إذا حفظتَ القرآن أو التزمتَ سنة نبيك ﷺ، يأتي الانشراح، وهي:
• السكينة
• الطمأنينة
• التعمق في صناعة الخير
•
وجعل مولانا قرينة الدعاء المستمر والإلحاح فيه كعطية للمؤمن المعتقد، صدقًا أنه الله يراه ويستجيب دعاءه، إذ قال.تعالى: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي» — (البقرة: 186 وأيقظوا في قلوبكم ما ذكره العلماء من أدب الدعاء: أن تنادي الله باسمه الأعظم في الليلة والنهار، لأنه في الدعاء يُستجاب، قال ﷺ: «إذا سألتُم فاسألوا الله، وإذا استعنتُم فاستعنوا بالله» — حديث حسن رواه الترمذي.وذلك هو مقام احسان ذكره جبريل للرسول الأعظم ﷺ في صورة دحية الكلبية، فلا يمكن أن يستبعد المؤمن جسماً أن الله يراه ويسمعه ويتكلَّم معه في كل حال. وقد قال العلماء في هذا المقام:
مقام المشاهدة القلبية لله في العبادة لا يشبه المشاهدة الجسمانية — (ابن القيم، زاد المعاد، باب محبة الله).ولن يبتعد الله عن عباده إذا أتوا هذه الفرصة المقدسة في رمضان؛ لأنه على مدار الشهور يعيش الإنسان حياة مليئة بكل ما يراه من شقاء أو سعادة، وهو حر طليق في فعل ما أجبرته نفسه على اختياره، دون أن يدرك أن هذه الحرية الفردية جعل له مولانا عناصر دفاعية تقيه من كل شيء حتى وهو حر. قال تعالى: «وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا» — (الطلاق: 2 عبور من الشقاء إلى الاصطلاح مع النفس ومع الله والله لطيف وخبير وسميع وعالم وخالق كل شيء، فلماذا يبتعد العقل عن تصور غلبة الشيطان عليه؟ إن إدراك أن هذا الشهر فضلٌ مقدّس — زمنًا وعبادة وطاعة لرب السماوات — وأن فيه الجزاء مضافاً إلى النفحات الربانية، قد يخرج العبد من عبور حقيقي من الشقاء إلى الاصطلاح مع نفسه، وبالتالي مع ربه.قال عمر رضي الله عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا» — كما رواه أحمد في مسنده، وقال العلماء: هذه الحسبة أعمق من مجرد النية؛ هي أمر بالاعتبار ومحاسبة القلب والنية قبل العمل الظاهر.
📌 التوبة والعزم بلا عودة
ويكون التدارس ليس في الترك مع الرجوع بالتوبة، وهو العزم بلا عودة. ضع في حسبانك أيها المعتقد أن الله لا يملّ حتى نمل، لا من ذنوب عباده الذين أبكوا رسول الله ﷺ، ولا سيما المتقدمون في عصورنا الذين يحبون محمد ﷺ دون أن يروه.ها قد بكى على أنفاس رسول الله ﷺ وهجر الخلود من أجل أن يشفع في أمته؛ فاعتقاده في ربه كريم حين قال ﷺ: «سأسمي الجنة بيني وبينكم» — حديث حسن رواه الطبراني.
اللهم صل على سيدنا محمد ﷺ.فالنفحة أيها الريب هي وصلة عبادية توصل عملك وترفعه نقيًا خاليًا من المتشابهات، ولا مردّ لقضائه إن حلّ. لكن حتى صلة الرحم تطيل في الأعمار، كما أخبر ﷺ في الحديث: «أَوْصَى رَجُلاً صِلَةَ رَحِمٍ، فَأَحْيَا بِهَا ذِكْرِي» — حديث حسن رواه الترمذي.فربُّنا أكرم، ورسولنا كريم، فلن تضيع أمةً ربُّها الله البارئ المصوِّر، ورسوله هو أفضل الصور الجسمانية ومعدن الأسرار الربانية.رسول الله ﷺ دنا في حضرة الجلال، وما أدراك ما الجلال! قال الله تعالى: «لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ» — (البقرة: 284. فهو ال\ي جعل لنا رمضان نفحة من رضا على عباده المؤمنين الموحديين.


































