لم تعُدِ الأرضُ تسعُني
ولم تعُدِ الأحلامُ تفي برغبتي
وتُلبّي طموحاتي
فقرّرتُ السّفرَ فوق الغيوم…
حَمَلْتُ قلبي كجوازِ عبورٍ
وتركتُ خلفي ضجيجَ الخيباتِ
يتعثّرُ بظلالي..
لم أودِّعْ أحدًا
فالوداعُ حينَ يطول
يصيرُ قيدًا آخر..
حَلَّقتُ لا هربًا
بل بحثًا عن اتّساعٍ يُشبهُني..
عن سماءٍ
تحتضنني..
فوق الغيومِ
تعلّمتُ أنَّ الأحلامَ
لا تحتاجُ إلى أرضٍ وسقفٍ
بل إلى قلبٍ يؤمنُ
بأنّ السّقوطَ مكانٌ جديدٌ
للانطلاق
ونفضُ جناحين للتّحليقِ بقوّةٍ أكبر..
فوق الغيومِ رأيتُ نفسي أصغرَ من الحزنِ
وأكبرَ من اليأسِ
كائنًا من ضوءٍ قصد الظّلالَ كي لا يضيعَ لمعانُهُ في وهجِ الشّمس..
وهنا…
حين لامستُ حدودَ الأفقِ
أدركتُ أنّ الرَّحيلَ
لم يكنْ هروبًا من الأرضِ
بل من نفسي المتمّرّدةِ على الدّجلِ والرّياء..
من نفسي السّاميةِ نحو الصّدقِ والصّفاء..
وعرفتُ
أنَّ الاتّساعَ ليس مكانًا رحبًا نبلُغُهُ
بل وعيٌ راقٍ ندركُهُ
وأنَّ الأرضَ تضيقُ بالنّفوسِ الّتي تكبرُ فيها الأحلامُ
وتصغرُ فيها الإرادة..
وعلِمتُ أنَّ السّماءَ تهبطُ إلينا كلّما تصالحنا مع حقيقتِنا ولا حاجةَ بنا إلى السّفر
بالجسدِ
بل بالفكرِ
وحين أعودُ
سأعودُ أخفَّ وزنًا لأنّني سأتركُ فوق الغيومِ أثقالَ همومِ الدّنيا ومراعاةِ الخواطر..
حين أعودُ
ربّما تكونُ المسافاتُ قد غيّرَتْ مظهري
لكنّها لن تمُسَّ داخلي
سأعودُ مختلفةَ الرّؤيةِ
أوسعَ حلمًا
أهدأ وجعًا
لكنَّ قِيَمي ستبقى بوصلتي
ومبادئي سقفي الّذي لا أنحني تحته
وكرامتي وطني الّذي لا يُباعُ ولا يُؤجَّر..
فالتَّغييرُ الحقيقيُّ
لا أنْ تفقدَ نفسَكَ الحُرّة في الطّريق
بل أنْ تعودَ بها وقدِ اكتَسَبْتَ من الغيومِ درسًا بأنَّ حَجبَ الضّوءِ ليس إهانةً للشّمسِ
بل عظةً لمن تذمّر من وهجِها..
وستعودُ
أكثرَ وضوحًا
وأشدّ صدقًا
ففي الّرجوعِ إلى النّبعِ أصالةٌ
وفي اتّزانِ الذّاتِ عدالةٌ
وفي حفظِ الجذورِ نجاةٌ
من الابتذال
فالعودةُ ليست نكوصًا
بل امتحانٌ في أفقٍ أوسع
فمَنْ يعُدْ إلى نفسه سليمًا
لا يخسرْ
بل بزدادُ انتماءً
ففي العودةِ اكتمالُ دائرةِ الحكمةِ..
والأسفارُ تعلّمنا
أنّ القِيَمَ ليست حِملًا
بل جناحٌ
وأن من أضاعَ نفسَهُ في البعيد
لن يجدَها في القريب..
حيث لا يُقاسُ العلوُّ بالارتفاعِ
بل بثباتِ المبدأ
ونقاءِ السّريرة.
هل نعودُ لأنّنا اكتفينا من السّفر؟
أمْ لأنّ السّفرَ ذاتَهُ كشف لنا
أنّ بعضَ الرّحيلِ لا يُجدي
إنْ لم نُحسنِ الإقامةَ في ذواتِنا؟
ٍأهو السّفرُ يغيّرُنا
أمْ أنّنا نغيّرُ الأمكنةَ
حفاظًا على شعورٍ
نخشى زعزعتَه في ذواتِنا؟
عايدة قزحيّا
“عودة مسافر”
Aida EL AB


































