خطايا الناس
حكايات في رمضان
الحلقة الثامنة
بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين
كانت البلدة وادعةً كعادتها، لا تُفشي أسرارها إلا همسًا، غير أنّ اسم ” ناصر ” كان يُقال فيها جهرًا، مقرونًا بالخوف واللعنات المكتومة.
رجلٌ اتُّهم بقتل أحد أبنائها، فأنكر، ومضى في حياته كأن شيئًا لم يكن، تاركًا وراءه بيتًا يتيـمُ الأب، مثقلاً بالفقد والفقر، لا سند له ولا معيل.
لم يكن ” ناصر ” رجلًا عاديًا؛ كان عين المحتلين الساهرة وأداتهم الفاعلة، يتخذ من بيته بوابةً للذل، يُحصي أنفاس الناس ، ويبتزُّ حاجاتهم ، تصريح سفر، وظيفة، علاج… كل شيء بثمن، وكل ثمن يُدفع من كرامة أصحاب الحاجة.
عرفه الناس جبارًا قاسيًا، منبوذًا في مجالسهم، كانت له عصابة من أمثاله يتبارون في السهرات الصاخبة والولائم والرحلات العابرة، بعيدًا عن أعين البلدة وضميرها.، كأنما الأرض ملك لهم وحدهم .
عاث في الأرض فسادًا، ولم يجرؤ أحد على مواجهته؛ فالمواجهة تعني الاعتقال أو الضرب أو الإهانة. كان “شيخ المخبرين”، يجند الشبان قسرًا، مرةً بالترغيب، وأخرى بالتهديد، فيسلب منهم ما تبقى من براءة الشباب حتى صار الخوف اسمه الآخر.
لكن في أعماق ذلك القلب المظلم ، بقيت شرارةً من الخوف القديم ، خوف من يوم الحساب .
ذات ليلة بينما كان يراقب النجوم من شرفة بيته ، هزته رغبةٌ مفاجئة في التطهير ، تذكر أنه قتل ، وظلم، وسلب ، وخان ، فقرر أن يغسل خطاياه في ماء زمزم ، تحت سماء مكة ، سجل اسمه مع شركة خاصة، ثم فاز بالقرعة.
وفي ليلة السفر، ودّعه أهله، والدموع في عيونهم لا تعرف أهي فرح أم قلق.
ركب الحافلة بين الحجاج، هادئًا على غير عادته، يبدو كأي رجلٍ قصد بيت الله بقلبٍ خاشع. عبروا الحدود، وطال الطريق، حتى دخلوا الأراضي السعودية… وهناك انكشف المستور.
دون سابق إنذار، أخذ ” ناصر ” يضرب رؤوس الحجاج بالمقاعد الأمامية، يصرخ، ويهيج. أُبلغ المرشد، فنُقل إلى المقعد الأمامي قرب السائق، لكن جنونه ازداد. حاول الاعتداء على السائق وهو يقود، كأنما يريد إسقاط الجميع معه.
تدخل الحجاج، أمسكوا به، فراح يتحدث بالعبرية، لغةٍ حفظها لغير الله، فردوا عليه مرةً بمثلها، وأخرى بالإنجليزية، في حيرةٍ من أمره.
أنزلوه في محطة استراحة، واقتادوه إلى عيادة قريبة، أُعطي مهدئًا، لكن حالته ساءت، كأن الإبرة أيقظت ما كان نائمًا في داخله.
تواصل المرشد مع البعثة الطبية ، لنقل ” ناصر ” إلى أحد المشافي ولكن كل محاولاتهم باءت بالفشل ، بسبب عدم وجود أسرة كافية ، فقرر مندوب الشركة إعادته عبر أقرب مطار إلى الأردن، ومن هناك إلى فلسطين، قبل أن يُكمل رحلته إلى البيت الحرام.
وصل أولاده، احتضنوه، وما إن لامست صدورهم صدره حتى عاد عقله كما كان، هادئًا، متماسكًا، كأن شيئًا لم يحدث.
عاد إلى بيته مخزيًا، بلا حج، بلا غفران، يحمل خيبةً ثقيلة لا تخطئها العيون.
تحدثت البلدة، وشمتت، لا شماتةَ فرح، بل شماتة عدلٍ مؤجل.
قال الناس: هذا جزاء من أثقلته خطايا العباد، قبل خطايا السماء.
سبحان من لا يظلم عنده أحد؛ قد يُمهل الظالم، لكنه لا يُهمله.
فإن لم تُفضحه خطاياه في الآخرة، أذاقته الخزي في الدنيا… ليكون عبرةً لمن اعتبر .


































