مرافعة الصمت: حين يغتال الجحود وجه الإنسانية ..
كتب أشرف كمال :
خلف ستائر العمر التي أسدلها الشيب، وفي ممرات الحياة المفعمة برائحة التضحية، تبرز حكاية مكررة، بطلها “الجاحد” وضحيتها “الوفاء”. إنها ليست مجرد قصة نكران، بل هي ملحمة تراجيدية تسرد كيف يتحول “الإنسان” إلى كائن نفعي، يرتدي قناع المحبة ليصطاد غاياته، ثم يلقي بالقناع في أول سلة مهملات يصادفها بعد بلوغ المأرب.
– مسرحية التملق.. وأقنعة الزيف .
يبدأ الفصل الأول دائماً بمشهد “التودد المفرط”. ترى ذلك المتملق يحوم حول صاحب الفضل كما يحوم الفراش حول الضياء، يهمس بكلمات الولاء، ويطأطئ الرأس في حضرة الكبار، متصيداً عطفهم أو خبراتهم أو نفوذهم. في بيئة العمل، تجده الظل الوفي الذي لا يمل الثناء، يقتات على فتات توجيهاتك، ويستجدي حمايتك المهنية. وفي أروقة العائلة، يتجسد في صورة الابن الذي لا يذكر “بر الوالدين” إلا حين تضيق به السبل المادية، فيقترب بتقبيل الأيدي، ليرسم طريقاً مختصراً لجيوب من أفنوا أعمارهم لأجله.
إنه نوع من “الاستثمار العاطفي الخبيث”؛ حيث لا يكون الحب غاية، بل مجرد أداة حفر لبلوغ كنزٍ ما.
– لحظة الانكشاف.. سياط النكران .
حين يشتد العود، وتستقيم الخطى، وتبدأ ثمار التضحية في النضوج، تتبدل النبرة. هنا يسقط “القناع” ليظهر الوجه الكالح للجحود. أولئك الذين صنعنا لهم من عتمة أيامنا فجراً مشرقاً، هم أنفسهم من يحاولون اليوم إطفاء قناديلنا.
نراهم في المؤسسات يتنكرون لمن علمهم “سر الصنعة”، بل ويتطاولون على أستاذيتهم بوقاحة تفتقر لأدنى معايير الشرف المهني. ونراهم في البيوت، أبناءً كبروا على أكتافٍ انحنت لأجلهم، فإذا بهم يضيقون ذرعاً بصوت سعال الأب أو تكرار حكايا الأم، وكأن هؤلاء الكبار أصبحوا “أثاثاً قديماً” انتهت وظيفته بمجرد أن أثثت المصلحة بيوتهم الجديدة.
”إننا نظلم الغابة ووحوشها إذا شبهنا هؤلاء بها؛ فالوحش يغدر ليعيش، أما هؤلاء فيغدرون ليتلذذوا بوهم العظمة الزائفة.”
– فلسفة الابتسامة والرحيل الهادئ
أمام هذا الطغيان الأخلاقي، لا يملك الإنسان الواعي إلا سلاحاً واحداً: الترفع.
ليس الجحود بحاجة إلى صراخ، بل إلى صمتٍ يذبح الكبرياء الزائف. إن الابتسامة التي يطلقها المكلوم وهو ينسحب من حياة الجاحدين هي “شهادة وفاة” لعلاقتهم. ننسحب بهدوء، ونتركهم لمصائرهم، مؤمنين بأن من نكر “اليد البيضاء” التي انتشلته، سيسقط يوماً في بئر أفعاله، ولن يجد حينها يداً واحدة تمتد إليه.
الحياة رواية عادلة، وإن تأخرت فصولها؛ فكل “عتب” بقي حبيس الأنفاس، وكل “جرح” نزف بصمت، سيتحول يوماً إلى جدارٍ عازل يحرم هؤلاء الجاحدين من دفء الصدق الذي أضاعوه بأيديهم. سيبقون وحيدين في قممهم الزائفة، محاطين بمتملقين أمثالهم، يدركون متأخرين أن “المصلحة” تبني بيوتاً، لكن “الوفاء” هو وحده من يبني وطناً يسكن الروح.




































