الاعلام والانتربولوجيا …
ا.د حمام محمد جامعة الجلفة..الجزائر.
الصوم بين الامتناع عن الشهوات والامتلاء بالطاعات.. طريقا الى الصفاء والرضا من فالق الحب والنوى… مقاربة انتربولوجية
حين نسال انفسنا لماذا قبل ساعات من الافطار يضمحل النشاط ويصبح الانسان كأنه عاجز عن الحركة هل يعني هذا ان الصوم اثر في عضلاته فقط ام ان هناك امرا اعمق من ظاهر الجسد
وعندما يفطر وبعد الاكل مباشرة يشعر برغبة في النعاس والتكاسل فهل يعني ذلك ان الامتلاء حجبه عن ذلك الصفاء الذي كان يعيشه قبل الاذان
وما معنى ان من يصلي الفجر في جماعة ولا يعود الى نومه يصبح نشيطا كانه فك من عقال بل تزداد نورانية وجهه اشراقا في مستوى يفوق كثيرا نشاطه في اوقات اخرى من يومه
يقرر علماء النفس ان الرغبة في الامتلاء رغبة طبيعية غير ان تحقيقها يقتضي مرور ساعات من الحرمان اذ يقضي الانسان قرابة عشر ساعات دون اكل يواصل فيها حياته ويؤدي اعماله كانه في اختبار داخلي بين الحاجة والصبر
غير ان الصوم في ميزان الايمان ليس مجرد تجربة بيولوجية بل هو تربية للنفس في حدود اقرها المولى وفق نظام جماعي يميز بين الصواب والخطا ويضبط السلوك ويوجه الرغبات حتى لا تتحول الحرية الى فوضى وقد قال تعالى﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾فالمقصود الاعلى هو التقوى لا مجرد الامتناع عن الطعام والشراب
ان الرغبة في الامتلاء اذا لم تضبط بالنية الصادقة تحولت الى غفلة اما اذا احاطتها نية خالصة لله ذي المعارج صارت طريقا للعروج اليومي حيث ترفع الاعمال وتعرض على رب العالمين وقد اشار القرآن الى هذا المعنى بقوله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾
فليس الانسان بمعزل عن مراقبة عليا ولا هو حرية مطلقة يفعل ما يشاء دون حساب
واذا ركزنا على تزكية النفس كما امرنا الله نجد ان القضية في جوهرها قضية نفس بشرية تقود رحلة امتناع وامتلاء في طريق قصير يراه الغافل بعيدا ويراه المؤمن قريبا لان الاعمار محدودة قال تعالى﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾
فالفلاح مرتبط بتزكية النفس لا باشباعها ومن هنا نفهم ان الصوم ليس قضية جوع وطعام بل قضية رؤية وميزان بين من يفهم الامتناع حرمانا ومن يراه اعدادا للارتقاء الى درجة الرضا تلك الدرجة التي جسدتها السيدة رابعة العدوية في سلوكها حين كان همها الاكبر ان تنال رضا الله لا مجرد الثواب
وقد بين الحق سبحانه ان للصائمين خصوصية في الجزاء فقال ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ والصوم صبر مركب صبر على الطاعة وصبر عن المعصية وصبر على اقدار الله ولذلك كان جزاؤه عظيما وتتحقق معاني الرضا الاوفى في الليالي العشر الاواخر وتبلغ ذروتها في ليلة القدر التي وصفها الله بقوله﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فهي ليلة الصفاء وازالة الحجب عن القلوب المرتضية برحمة الله
ولو تامل الانسان في قوله تعالى﴿وَهُوَ الرَّؤُوفُ الرَّحِيمُ﴾لادرك ان الله ما الحقنا برمضان الا ليرضى عنا ويقربنا منه لا ليشقينا بالجوع والعطش فطوبى لمن صامه امتناعا عن الشهوات وامتلاء بالايمان لا امتلاء البطن فحسب لان الامتناع اذا لم يصحبه صفاء داخلي تحول الى عادة اما اذا اقترن بالنية الصادقة صار سلما للارتقاء
ولنا عودة في الحديث عن الرغبة وصراع الممتنع بين نداء الجسد ونداء الروح حيث يتجدد السؤال كل يوم هل نصوم عن الطعام فقط ام نصوم عن كل ما يحجبنا عن الله



































