يا ناسي خير أبوك
حكايات في رمضان ( الحلقة 6 )
بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين
كان أشرف فتىً لم يجد حظّه في الكتب، فلم تدم مقاعد الدراسة طويلاً تحت قدميه. أخرجه والده من المدرسة باكراً، واشترى له قطيعاً من الضأن والماعز، وقال له: “هذه غنمك، ارعها في الجبال، تَعِشْ من خيرها”.
حمل أشرف عصاه وانطلق خلف القطيع في جبال قريتهم الوادعة. كان يخرج مع أول خيوط الفجر، يسير خلف الأغنام بين الصخور والأعشاب البرية، يراقبها وهي ترعى، يستمع إلى خشخشة أجراسها البعيدة، ويعود قبل المغيب بقليل تتبعه الأغنام كأنها تحفظ صوته ، فيطعمها ويسقيها. تكرر المشهد أياماً وشهوراً وسنوات، والقطيع يزداد كل عام بمواليد جدد، وكأن الأرض تبارك تعبه.
جمع الوالد من بيع لبنها وصوفها وبيع أولادها مالاً، فبنى لابنه بيتاً لم يكن واسعاً ، لكنه كان عامراً بالرضا ، وقال في نفسه: “هذا حقه، تعبه ما يضيع”. ثم زوّجه فتاة من غير العشيرة، عسى أن تكون الحياة أوسع وأرحب.
عاش أشرف مع زوجته في ذلك البيت، ورزقهما الله بثلاثة أولاد وبنتين. كانت الزوجة لا تكل، تعمل على ماكنة الخياطة من الصباح إلى المساء، تلف القماش وتدير الدولاب ليسد البيت حاجته ؛ وتخيط مع كل غرزة حلماً صغيراً لأولادها .
كبر الأولاد، ودخلوا المدرسة تباعاً، وكان الوالدان يفرحان بكل نجاح، يعلقان الشهادات على الجدران وكأنها مصابيح تضيء الغرفة.
التحق بعضهم بالجامعات المحلية، وسافر الآخرون للدراسة خارج البلاد. وفي تلك الأثناء، دبّ المرض في جسد أشرف، ضعف ، وانحنى ظهره ، ولم يقوى على الصعود إلى الجبال ، فباع غنمه التي رعاها أربعين عاماً، وتحول إلى أرضه يفلحها ويغرسها خضروات. كان يخرج كل صباح يقطف ما نضج منها ، ويحمله إلى دكاكين البلدة الطيبة ، ثم يعود بمال قليل يرسله إلى أبنائه ، كأنما يقتطع من لحمه ليطعمهم علماً. كانت مصاريف الدراسة ثقيلة، لكن قلبه كان أخفّ حين يعلم أنهم يتعلمون.
تخرج الابن البكر، وأصبح سنداً لأبيه، يرسل المال ليكمل إخوته دراستهم. وتوالت سنوات التخرج، واحدة تلو الأخرى، والوالدان يبكيان من الفرح كلما لبس أحد أبنائهما ثوب التخرج.
أما الابن الأصغر، فقد تخرج طبيباً من جامعة محلية يومها بكى الأب طويلاً ، وهمس لزوجته :
_ راعي الغنم خلّف دكتور _ الحمد لله . وفي يوم تخرجه، نشر على صفحته الشخصية كلمة شكر طويلة ، ذكر فيها أمه وإخوته وأخواته وأساتذته وأصدقاءه ، لكن الغريب – والمؤلم – أنه لم يذكر اسم والده. ولا كلمة واحدة ، قرأ الأب الكلمات مراراً ، يبحث عن اسمه كما يبحث الغريق عن قشه ، فلم يجده .
أقام الدكتور حفلة كبيرة بمناسبة النجاح، ودعا إليها الأقارب والمعارف والجيران. لكنه لم يدع والده. نعم، لم يدعُه. وكأن الأب لم يكن موجوداً، أو كأنه لم يكن سبباً في هذا النجاح.
كان بإمكانه أن يحضره على كرسي متحرك، ليكون أول المدعوين، ليرى الناس ثمرة تعبه. كان بإمكانه أن يضع يافطة كبيرة تحمل اسمه وصورته مع والده، صورة راعي الغنم الذي قضى عمره خلف القطيع كي يرى ابنه طبيباً. لكنه لم يفعل.
وفي الحفل، كان الناس يتهامسون. نظراتهم تقول ما تعجز الألسن عن البوح به. وكثير منهم رفع يديه بالدعاء: “اللهم اغفر له واهدِه، فاللي ما له خير في أهله ما له خير في الناس”.
وقف الأب في بيته ذلك المساء، ينظر إلى الصور القديمة المعلقة على الجدار: صورة له مع غنمه، صورة له مع أولاده وهم صغار، صورة تجمعه بزوجته يوم زفافهما. دمعت عيناه، لكنه لم يقل شيئاً. فقط تنهد وقال في سرّه: “الحمد لله على كل حال، ربنا يهديهم”.
أما الابن الطبيب، فلم يشعر بنظرات الناس، ولم يسمع دعواتهم، واستمر في حياته الجديدة، تاركاً خلفه أباه الذي لم يعد بحاجة إلى حفلة، بل إلى كلمة شكر تدفئ قلبه قبل أن يموت.




































