اعتقالٌ مع عشقِ التّنفيذ:
(كَنقوشٍ عنيدةٍ لا تُمحى حفرتُ على جلدي ملامحَكَ)…
(كَخطوطٍ ظريفةٍ غائرةٍ خلّدتُ حرفَي اسمِكَ)…
بِهذهِ الكلماتِ، ابتدأتْ رحلةَ غيابِها فيه، سكبتْ لواعجَها دفعةً واحدةً، وَتذكّرتْ لحظةَ اعتقالِه في ساحةِ المدينةِ حينَ تَرَافَقا لِاستكمالِ ورقةٍ رسميّة في ملفٍّ هامٍّ، كانا حينَها رفيقينِ لا أكثر…
غابَ فترةً ليستْ بِالتّاريخيّة مقارنةً بِرحلاتِ العذابِ في السّجون، كانَ محكوماً عليهِ بِالمؤبّد في غياهبِ ما تحتَ الأرض، في نفقٍ عميقٍ لا قرارَ له، لكنّهُ خرج مُصطَبِغاً بِرائحةِ اللّحم، وَالدّم…
جرحٌ عميقٌ في رأسِه كَسَرَ جمجمَتَه، صنعَتْه يدٌ حمقاءُ لا عيونَ لها، وَلا رحمة، تبطشُ بِقسوة، غابَ عن وعيهِ على إثرِها، لِيعودَ من تلاشيهِ بعد أمدٍ غير معروف، وَرفيقُ سجنِه يحتضنُ تلكَ الرأسَ الغريبة…
كَسرٌ لم يشفع له، فَقد نالَ بعدَه قهرَ التّعذيب بِلا سبب، فقط لأنّ صوتَه عالٍ قليلاً، يشاركُ في مظاهراتٍ، هو من يخطّط لها، يصرخُ مع رفاقِه ـ وهي معهم على رأسِ اللّائحة ـ ضدّ الفساد، وَضدّ العنف، فَصارَ العنفُ رفيقَه…
انكمشتْ على ذاتِها كَقنفذةٍ يتيمةٍ، سحقَها حضورُه الطّاغي أكثر، لم يفارقْ جعبةَ خيالِها الجامح، لم تتركْ حيلةً لم تسعَ معها لِمساندتِه، حتّى ظنّتْ أنّها منقذَتُه الوحيدة…
شيوخُ العائلة، المعارفُ المتمكّنون بِعلاقاتِهم الوثيقةِ مع بعضِ رجالاتِ الحكومةِ حينَها، لم يسمحوا بِاستمرار الاعتقال، مارسوا ضغوطَهم مخافةَ الأذى المُتَوقّع، إلّا أنّها فترةٌ قصيرةٌ كانتْ بِالكافيةِ تماماً لِتُذيقَه ما لم يذقْهُ في حياته، حتّى باتتْ تغشاهُ صحوةٌ مغايرةٌ، توقِدُ في روحِه صعوبةَ أنْ تُصفعَ، أو تُركلَ لِمجرّد فرضِ السّيادة، أو القوّة، أنْ تُقيّدَ، وَتُجلدَ بِهدفِ القمعِ، التّرهيبِ، والتّسلّط، فَعادَ لِيحتضنَ الجميع، وَيقبّل يدَ زوجةٍ لم يقدّر صمتَها أمامَ عنفِه لها قبل كسرِه، فَسامَحَتهُ…
استقبلَه الأهل، الأم، الأخوات، الزّوجة، والأولاد، وهي البعيدة، لم يدركْ لحظةً أنّها تحبُّه، وَأنّ اقتيادَه كبشَ فداءٍ لها، لِحمايتِها، سَيكون القادحَ لِشرارةٍ متوهّجةٍ في نبضِها…
لازالَ يذكرُ جيّداً عندما لم تُثنِه الضّرباتُ المنهالةُ على جسدِه في السّاحةِ أمام العابرين، أنْ يومِضَ لها بِعيونه، يعجنَها بِنظراتِه الحادّةِ الحازمةِ، وَالعنيدةِ حتّى تبتعدَ عنه، درءاً لها من قبضةٍ فولاذيّةٍ تطالُها بها تلكَ المجموعةُ من الأوباشِ المحسوبةِ على النّظام…
الوقتُ سحنَ الأيّامَ بِبطءٍ، لكنّها لم تكنْ مديدة…
أخيراً فُكَّ أسرُه، وَاستقرَّ حضورُه بينَ أفرادِ أسرتِه…
كانتْ بِانتظاره، هي وَوشمُها، وخطوطُ حروفِه، جهزّتْ كلَّ شيءٍ في المكانِ الدافىءِ الذي اختارتْهُ لِضمِّهما، أذاقتْه طعمَ الحياة، بِنكهةِ روحٍ عاشِقةٍ، صبَّتْ كلَّ ليلِ الصّبِّ بِلا غدٍ، بِلا تفكيرٍ بِما هو آتٍ، عاشتْ معه عبثَ اللّحظاتِ، وَهو لم يقاوم، يبحثُ عن ذكورةٍ طالتْها يدُ الجلّاد، عن فحولةٍ باتتْ في صناديقِ المهانةِ السّوداء، تركَ لها سرجَه، فَصدحتْ بِصهيلِها، وَمنحَها احتواءَ جزءٍ يعنيها، فَأغدقتْ لهُ العطاء، كانتْ لحظاتٍ يذكرُها جيّداً، وَكأنّها الآن…
زفرَ أنفاسَه بعدَ أنْ أغمضَ عينيهِ، لم يعلنْ أحقّيّةَ ذاكرتِه بِفتحِ ذيولِ ملفٍّ مختبئٍ ما بعدَ تلكَ اللّحظةِ المتغلغلةِ في كيانِه… وَغَفا…
قالتِ العرّافة:
بعدَ مرورِ سنين من الصّهيل، وَعند أوّل إغراء…
سحبتْ سفراءَها، ركنَتهُ خلفَ ظهرِ الزّمن، وَسبحتْ في بحرِ المال، على يدٍ خبيرةٍ بِاصطياد الرّماديين…
بِاسمِ مناضلةٍ، كانتْ تعبثُ بِالخطوط السّياسيّة، بِالنّقاطِ المعارضة، بِالنّقوشِ الثّائرة، وَبِالمشاعر…
بِاسمِ مناصرةٍ لِحقوقِ المرأة، تجاهلتْ حقوقَ زوجةٍ لا تعلمُ ما تُخفيهِ صديقتُها، رفيقةُ دربٍ في مقاماتِ الثّقةِ العالية، ثمّ عبثتْ بِحقوقِ رجلٍ عاشق، تلتهبُ أحشاؤهُ عندما يلمحُها، فَسحقَه جرحُ قلبِه أعمقَ كثيراً مِن جرحِ رأسِه… وَظلَّ غافياً لِلأبد كَقنفذٍ كئيب…
على الهامش النّبيل:
هل لِلخيانة عنوانٌ بائنٌ؟!
وَهل لِلخَوَنَةِ علاماتٌ فارِقةٌ في هويّةِ الانتماء
غاده رسلان الشعراني



































