جناية الصمت: حين يغدو السكوت تواطؤاً
كتب أشرف كمال :
– خطيئة الضمير المستتر :
ثمة جرائمُ لا تترك بصماتٍ على مقابض الأبواب، بل تترك ندوباً في روح الأمة؛ جرائمُ لا تُقترف بالأيدي التي تسرق، بل بالقلوب التي تصمت. هي تلك الجناية التي لا توثقها سجلات المحاكم، بل تُحفر في ذاكرة الضمير الإنساني. إنهم أولئك الذين يبصرون وهج الحقيقة كقرص الشمس، فيختارون طواعيةً أن يكونوا ظلها القاتم، مانحين الزيف غطاءً من العتمة.
– أعمدة الباطل: المبررون والمهللون .
إن الفساد كائنٌ طفيليّ، لا يقوى على الوقوف بمفرده؛ بل ينتصبُ شامخاً فوق أكتاف الذين يختلقون له الأعذار، ويتغذى على أصداء التصفيق الزائف. هو يعمر طويلاً لا بقوته الذاتية، بل بفضل “الدروع البشرية” التي تذود عنه. هؤلاء لا ينهبون الخزائن بأيديهم، لكنهم يغتالون الحقيقة بمواقفهم، ولا يوقعون صكوك الظلم بأقلامهم، لكنهم يمنحونها “صك الغفران” بصمتهم المريب.
– أقنعة الحياد ووهن الخائفين .
يتدثرون برداء “الواقعية” ليواروا سوأة جبنهم، ويزعمون “الحياد” في معارك الحق والباطل، متناسين أن الحياد أمام الظلم هو انحيازٌ كاملٌ للظالم. يدّعون أنهم “خارج المشهد”، وهم في الحقيقة المخرجون الحقيقيون لمسرحية الطغيان؛ فهم من يمنحون الفاسد القوة حين يبررون، وهم من يهدونه الأمان حين يلوذون بالصمت.
– جيش الظل: أخطر من الفساد ذاته .
لا يخشى الفاسدُ بريقَ السيف بقدر ما يخشى نور الوعي في عقول الناس، لكنه ينام قرير العين حين يجد حوله “جوقة التلميع” التي تُجمّل القبح، وتُهاجم الشرفاء، وتصنع من السوء فضيلة. هؤلاء هم الخطر الأكبر؛ فالفاسد عدوٌّ مكشوف الوجه، أما هم فيرتدون أقنعة البراءة وعباءات الحكمة الزائفة.
– محكمة التاريخ ولعنة الذاكرة .
إن صفحات التاريخ ليست حكراً على الطغاة وحدهم، بل هي سجلٌّ أمين لكل من صفّق، وظاهرَ، وباع يقينه مقابل مصلحةٍ زائلة أو خوفٍ واهم. إن قارئ التاريخ في المستقبل لن يكتفي بلعن الفاسد، بل سيسكب جام غضبه على من كان جسراً عبر فوقه الظلم، ومن كان صوتاً زيّن ملامح الشقاق.
خاتمة الوعي:
لا تكن ظلاً لغيرك، ولا تكن شاهداً لم يحضر، بل كن شاهد حقٍ في زمنٍ عزَّ فيه الشهود. تذكر دائماً أن عروش الفاسدين، مهما طالت، مآلها السقوط؛ أما أولئك الذين سندوها بأكتافهم، فقد سقطوا منذ اللحظة الأولى من عين الإنسانية، ولن ينهضوا أبداً.




































