لقطات من العرض المسرحي
كلمات بلا معنى
للمخرج سامي درويش
حلب _عماد مصطفى
شكل العرض المسرحي “كلمات بلا معنى” للمخرج سامي درويش، الذي نظمته دائرة المسرح السوري في حلب بالتعاون مع مديرية الثقافة، محطة فنية مهمة في المشهد الثقافي الحلبي. لم يكن هذا العرض مجرد تقديم درامي تقليدي، بل كان تجربة تأملية عميقة تعكس حالة التفكك والبحث عن المعنى في عالم يغرق في ضجيج الاتصالات السطحية. لقد نجح درويش في استخدام خشبة المسرح كمرآة تعكس التناقضات المعاصرة، مقدماً رؤية نقدية لاذعة للقوالب اللغوية الفارغة التي تحكم تفاعلاتنا اليومية.
هذا الاستعراض يهدف إلى تحليل أبرز اللقطات والمقاطع المؤثرة في العرض، مسلطاً الضوء على الجوانب الإخراجية والرمزية التي جعلت منه عملاً يستحق التوقف عنده.
اعتمد المخرج سامي درويش على لغة بصرية مكثفة لتعويض الفراغ الدلالي الذي حاول النص المسرحي استكشافه.
كانت الإضاءة عنصراً محورياً في بناء الحالة النفسية للعرض. استخدم درويش الإضاءة القاسية والظلال الحادة لتقسيم الفضاء المسرحي، مما أبرز عزلة الشخصيات حتى عندما تتواجد في المشهد ذاته. يمكن الإشارة تحديداً إلى مشهد الحوارات المتوازية، حيث كانت كل شخصية مضاءة بضوء موضعي منعزل، بينما يغرق باقي المسرح في سواد كثيف، وهي لقطة أيقونية تعبر بوضوح عن فشل التواصل الفعلي رغم استمرار تبادل “الكلمات”.
كما كان استخدام الديكور بسيطاً ومجرداً، مما حول المسرح إلى فضاء رمزي يمكن إسقاط أي واقع عليه. ظهرت بعض العناصر التجريدية التي تمثل أدوات الاتصال الحديثة، كشاشات مضيئة بشكل متقطع، تطلق ومضات لا تحمل سوى ضوضاء مرئية، مما يجسد فكرة “الكلمات بلا معنى” ليس فقط في المحتوى اللفظي بل في الوسيط نفسه.
تميز أداء الممثلين في “كلمات بلا معنى” بالتوظيف المكثف للغة الجسد والصوت التعبيري بدلاً من الاعتماد المطلق على النص الحواري. ففي كثير من اللحظات، كانت الكلمات المنطوقة تبدو مكررة ومبتورة، وكأن الممثلين يتلوّنها كتعويذة لا يفهمون مغزاها. هذا التجسيد للاغتراب كان بالغ القوة، خاصة في المشاهد التي تتناول العلاقة بين الفرد والمؤسسة.
إن اختيار درويش لعنوان “كلمات بلا معنى” يضعه مباشرة في سياق التساؤلات الفلسفية حول اللغة والسلطة، وهي قضايا ذات صدى كبير في البيئة الثقافية السورية التي مرت بتحولات جذرية. العرض لم يكتفِ بانتقاد السطحية، بل أشار إلى محاولات يائسة لإعادة بناء المعنى عبر الصمت أو عبر العودة إلى الأصوات البدائية غير المفهومة لغوياً.
لقد شكل عرض “كلمات بلا معنى” للمخرج سامي درويش عملاً مسرحياً ذا كثافة رمزية عالية. من خلال الإضاءة المعبرة، والتصميم الحركي المتقن، والأداء الذي احتضن الفراغ اللغوي، نجح درويش في تقديم قراءة قوية وناقدة لحالة التواصل في العصر الحديث. العرض لم يكن مجرد مجموعة من اللقطات الفنية، بل كان بياناً مسرحياً حول ضرورة البحث عن الجوهر خلف قشرة اللغة الفارغة، مما يجعله إضافة نوعية للمسرح السوري المعاصر.
































