بقلم.أ.د حمام محمد..الجزائر
الصحافة الرقمية الإثنوغرافية: من الحارس البشري إلى الوكيل الذكي في عصر الذكاء الاصطناعي
إنّ آخر التطوّرات المبتكرة في الذكاء الاصطناعي هو تطوير برمجيات مساعدة على صناعة خبرٍ صحفي بصفة مستقلة، عن طريق وكيل صناعي: آلة أو روبوت. وبالمختصر المفيد، سيتحوّل الصحفي إلى رجلٍ آلي يفهم ويتفهّم وينقل الخبر بموضوعية تامّة، مستوفية لكلّ الشروط الخاصة بالموضوعية، سواء تعلّق الأمر بالثابت الوطني أو التاريخي، دون تعدٍّ أو تحريف .
ويرتبط ذلك بكلّ الأمور التي كنّا نراها أثناء تحليل الخطاب الإعلامي، باديةً في مختلف الأنواع الصحفية، وهو ما يؤكّد الاستغناء الكلّي عن دور رئيس التحرير، الذي سيكون أمام تجربة قاسية لآلةٍ ذكية تسلبه كلّ ما ادّعاه من تفكيرٍ سليم، أو ذاك الخوف المزمن من الخروج عن النص نحو جهةٍ قد تتضرّر..
ومن المستحيل، في إطار هذه البرمجيات، أن يقوم الوكيل الذكي بالسقوط قلبًا وقالبًا في الأخطاء التي كان يرتكبها الإيديولوجيون أو حراس البوابة؛ إذ سيكفيهم الذكاء الاصطناعي مغبّة السقوط في أخطاء قد تجرّهم إلى الأجهزة القضائية التي تُعنى بالحماية القانونية للفرد والمؤسسة.
وبالتالي سيتعرّف الذكاء الاصطناعي على كلّ البيانات التنظيمية المنظِّمة لقواعد المهنة، ابتداءً من الكتابة، أو التفكير في وضع الفكرة، وصولًا إلى معرفة الجمهور المتفاعل، وقد يكون مستقبلًا تحديد الجمهور بالقائمة الاسمية؛ فكلّ من يقرأ ستجعله البرمجيات مُعرَّفً.
ومستقبلًا، يمكن تحليل بيانات التفاعل ودرجاته بالنسبة لدراسات الجمهور، لتبقى قواعد دراسات الجمهور ونظرياته بمثابة قواعد غير أساسية لمعرفة التفاعلات الجماهيرية بين الواقعي والافتراضي.
هذه الطفرة الرقمية المرتقبة لسنة 2026 ستشهد ميلاد الآلة الصحفية بمستوى مُبهر من الصياغة، أو ربّما حتى أسئلة لازرسفيلد الخمسة ستُحجَب أمام أسئلة أخرى مضافة، تتعلّق بالصورة، وتوقيتها، وزوايا البعد المُلتقطة في عين المكان).
ودون أن نشير إلى أنّ كلّ ما هو صالح للنشر على الواجهة التقنية سيكون مُعرَّفًا من خلال تحليل بيانات البصمة الموجودة على جهاز التصوير أو الهاتف الذي التُقطت به الصورة. كما سيُبرمج التفكير الآلي المستقلّ لقوائم اسمية للمصوّرين والصحفيين المحترفين آليًا، حتى يختفي الدور الصحفي العادي، ويكتسح الصحفي الإثنوغرافي الميدان، ويصبح الخبر تقريرًا كاشفًا بكلّ الأدلة البصرية والمادية .لأنّ هذه الصحافة تجيب عن كلّ الأسئلة التي يحصرها الذكاء الاصطناعي في إجاباته، وبالتالي لن يترك أيّ سؤال دون إجابة، بل يقدّم كلّ التوضيحات التي يطرحها القارئ، أو حتى يفكّر في طرحها، بمجرد ما ينطق سؤالًا..
وفي المرحلة الأولى، يكون التعبير الشفوي والكتابي منطلقًا للكشف عن هوية الصحفي الآلي وإمكاناته، الذي سيحوّل نفسه إلى وكيل إثنوغرافي ذكي، لا يغطّي الحدث فقط، بل يتنبّأ مستشرفًا ما وراء الحدث، ويتساءل بإجابة عن: لماذا وقع؟ .
سنشهد تفسيرًا غير مسبوق للمجتمعات من خلال التحليلات التي يعطيها الوكيل الإثنوغرافي الذكي، الذي لم يعد يؤمن بالمصدر كشخصٍ فردي، بل ستتحوّل السلوكات، والأحداث، والتصرّفات البشرية إلى مصادر أخبار يمكن تحليلها ضمن إطار بيانات خوارزمية، تقفز بالصحافة الآلية إلى مستوى عجائبي ..
إذ يتخلّى الفرد عن الألعاب الترفيهية أو مواد قتل الوقت، حيث سيُجمل له الصحفي الإثنوغرافي الرقمي كلّ تلك الأعمال التي تريحه في خطٍّ واحد، يُعرض عليه في شكل تغطية، طالما كان لا يُكمل قراءة حتى تفاصيل زيارة نوعية لمرفقٍ ما .
وفي مرحلة واحدة، سيقرأ الرقمي الإثنوغرافي كلّ الاستشرافات الممكنة، ليُكمل من تلقاء نفسه تفاصيل التغطيات المرفقية.
إنّ عالم الصحافة الإثنوغرافية سيشهد تقلّبًا لا مثيل له في العشرية القادمة، وسينسى الناس قرية ماكلوهان، ويتحوّل العالم إلى ومضة نوعية عابرة لحدود القارات ،وتلك هي الطفرة…
يتبع…







































