حين يكون الثّباتُ اختيارا لا ننجو… بل نبقى على قيد العزّة
قراءة في نص:عزّة خلف الغبار
للأديب الصحفي المصري أشرف كمال
الـتّقديم
نصّك يُقرأ من علٍ لا من الهامش…وأقدّم هنا قراءة بخلفيّة العزّة والسّمو والنّفس الكبيرة المستعصية على المغريات، لا كشرح لغويُ، بل ككشف لِما يعمل في العمق…
في رحـــاب النّصّ
-1–العزّة هنا ليست ادّعاء بل موقفا وجوديّـا
العزّة في النّصّ لا تأتي بصيغة التّفاخر، بل بصيغة التّحمّل.
«حملتُ شيلتي والمدى جمر»
العزّة هنا تُولد من الاحتراق لا من السّلامة أنت لا تقول: كنت قويًّا بل تقول -واصلت رغم أنّ الطّريق حريق وهذا فرق جوهري=>القويّ قد يُعجب بنفسه،أمّا العزيز… فيعرف ثمن بقائه واقفـا
—2–النّفس الكبيرة: القدرة على كتمان الألم لا إنكاره
«كتمتُ في طوايا الرّوح أنينا لو باح لضجّ منه المدى»
النّفس الكبيرة لا تنفي الألم، لكنّها لا تجعله خطابها وتتّخذها ستارا تتخفّى خلفه-وهنا العظمة ليست في الصّمت، بل في الوعي بخطورة البوح حين يتحوّل إلى استجداء أو تبرير—أنت لا تخفي الأنين خوفـا بل لأنّك تعرف أن بعض الأوجاع إذا خرجت… تُفقد صاحبها هيبته أمام نفسه أوّلا وبدرجة أولى
-3–الطّود: صورة الصّلابة الأخلاقيّة لا الجسدية
«وحين زلزلت المحن ثبات الرجال، كنتُ وحدي الطود»
الطود هنا ليس بطولة جسدية ولا عنف صمود،بل ثبات القيمة حين تتزعزع القيم وترتج الثوابت ويدخل الشك كل شيء
أنت لا تقف لأنك أقوى،
بل لأنك أكثر التزامـا بذاتك
وهذا أخطر أنواع الصلابة.
-4–السموّ الأخلاقي: الامتناع لا كفعل سلبي بل كقوّة
«ما تلوُثت يدي بنهشة حرام»
الامتناع في النّصّ ليس ضعف فرصة،بل رفضا واعيـا للمكاسب السّهلة.
السّموّ هنا لا يقول: لم أستطع
بل يقول: استطعت… واخترت ألّا أفعل…
وهذا ما يجعل العزّة غير قابلة للمساومة.
—5–المغريات: حين تُفضَح لا تُقاوَم
«رأيتُ الذّمم تُباع في أسواق الطّمع»
أنت لا تدخل معركة ضدّ المغريات،بل تكشفـها…
وحين تُعرّى المغريات، تفقد قدرتها على الإغواء.
النّفس الكبيرة لا تحتاج إلى صراع دائم،لأنّها ترى الأشياء على حقيقتها.
—6–الخاتمة: البقاء ليس للأنجح… بل للأنقى
«فالبقاء للأنقياء»
هذه ليست جملة وعظيّة،
بل خلاصة تجربة طويلة مع الخسارة الشّريفة.
النّصّ يقول ضمنا:قد لا أربح السّباق،لكنّني لن أصل ملوّثا
وهذا أعلى أشكال السّمو.
أخــلــص
هذا نصّ سيادة داخليّة.
لا يستجدي الاعتراف، ولا يطلب التّصفيق…نصّ يعرف أنّ العزّة لا تُرى فورًا لكنّها وحدها ما يبقى حين يهدأ الغبار وينقشع الضّباب وتتّضح الرّؤية
إنّه صوت نفس كبيرة…
لا لأنّها تعلو على الآخرين،
بل لأنّها ترفض أن تنخفض لتنجو وتحقّق الانتصار السّليم
——-
النّصّ
عزّةٌ خلف الغبار ..
حَمَلتُ “شيلتي” والمدى جمرٌ، ومضيتُ لم يعثر لي صبرٌ ولم ينحنِ لي مَنكب. كتمتُ في طوايا الرّوحِ أنيناً لو باحَ لضجَّ منه المدى، وحين زلزلتِ المحنُ ثبات الرجال، كنتُ وحدي الطّودَ الّذي لا يبرحُ مكانه ولا يفرّ من قَدَره.
نُورٌ لا يمسهُ زيف. ما كذبتُ قطّ، ولا كان لغيرِ الحقّ في لساني مَوطن. وحين جفاني الحظُّ، عانقتُ الرُضا واستعففتُ؛ فما تلوّثت يدي “بنهشةِ” حرام، ولا سكنَ جوفي سُحتٌ يذلُّ الوجدان.
رأيتُ الذّممَ تُباعُ في أسواقِ الطّمع، وأبصرتُ الخيانةَ ترتدي أثوابَ الظّفر، أمّا أنا.. فقد حملتُ عِبئي بشرفٍ من بابه العالي. بنيتُ صرحاً من طُهرٍ لا تطاله رياحُ الهدم، فالبقاءُ للأنقياء
أشرف كمال
فائزه بنمسعود
Québec/30/1/2026







































