الأسرة المصرية الحاكمة الأولى بين الفرضية الرافدية والأدلة الأثرية
قراءة نقدية في مقولة محمد أبو زهرة
بقلم: عدنان الطائي
مقدمة
يُعدّ سؤال نشأة الدولة المصرية القديمة من أكثر الأسئلة إثارة للجدل في تاريخ الحضارات الإنسانية، لا سيما عند مقارنته بحضارة وادي الرافدين التي تزامنت معها زمنيًا في الألف الرابع قبل الميلاد. وفي هذا السياق، تبرز مقولة المؤرخ والفقيه المصري محمد أبو زهرة، الواردة في كتابه مقارنات الأديان، والتي يلمّح فيها إلى أن حكام الأسرة المصرية الأولى كانوا ذوي أصول وافدة من الشرق، وربما من وادي الرافدين، عبر سيناء، في مقاربة يربط فيها بين بدايات الحكم في مصر وبين الهكسوس الذين عُرفوا لاحقًا.
تهدف هذه الدراسة إلى فحص هذه المقولة فحصًا نقديًا علميًا، والتمييز بين ما هو تأثير حضاري وتفاعل ثقافي، وبين ما يُفترض أنه أصل عرقي أو سلالة حاكمة وافدة، اعتمادًا على مناهج علم المصريات الحديثة والأدلة الأثرية والوراثية المتاحة.
أولًا: مقولة محمد أبو زهرة وسياقها الفكري
ينطلق محمد أبو زهرة في طرحه من رؤية شائعة في النصف الأول من القرن العشرين، ترى أن الحضارات الكبرى في الشرق القديم نشأت عبر هجرات بشرية كبرى، وأن التفوق التنظيمي والسياسي لا بد أن يكون ثمرة سلالة حاكمة وافدة. وفي هذا الإطار، يقارب بين:
• الأسرة المصرية الأولى
• الهكسوس (ملوك الرعاة)
• ما تسميه بعض المصادر العربية بـ«العمالقة» بوصفهم أمة بدوية نزحت عبر سيناء
غير أن هذا الطرح، على أهميته الفكرية، لم يُبنَ على اكتشافات أثرية مباشرة، بل على:
• مقارنات تاريخية عامة
• إسقاطات دينية وتراثية
• ونظريات كانت رائجة قبل تطور علم الآثار الحديث
ومن الضروري التنبيه إلى أن كتاب مقارنات الأديان ليس مؤلفًا متخصصًا في علم المصريات، بل عمل فكري مقارن، وهو ما يفسر الطابع الاجتهادي لا البرهاني في هذه المقولة.
ثانيًا: نظرية “السلالة الحاكمة” وخلفيتها العلمية
تتلاقى مقولة أبو زهرة، من حيث المنهج، مع ما عُرف في الدراسات الغربية المبكرة بـنظرية السلالة الحاكمة (Dynastic Race Theory)، التي طرحها بعض علماء الآثار في مطلع القرن العشرين، وعلى رأسهم فليندرز بتري.
افترضت هذه النظرية أن:
• الدولة المصرية لم تنشأ من الداخل
• بل أسسها حكام جاؤوا من الشرق الأدنى، وربما من بلاد الرافدين
• بدليل تشابه بعض الرموز والأنماط الفنية
إلا أن هذه النظرية تعرضت لنقد جذري لاحقًا، وتخلّى عنها معظم علماء المصريات للأسباب الآتية:
1. غياب أي دليل أثري على غزو أو هجرة حاكمة واسعة.
2. ثبوت التطور التدريجي المحلي للثقافات المصرية قبل التوحيد.
3. الخلط بين التشابه الثقافي والتبعية السياسية أو العرقية.
وبذلك، فإن الإطار النظري الذي تستند إليه مقولة أبو زهرة لم يعد صالحًا علميًا وفق المعايير المعاصرة.
ثالثًا: الأدلة الأثرية والوراثية الحديثة
تكشف الحفريات الأثرية في مصر العليا والدلتا، خصوصًا في ثقافات البداري ونقادة (I–III)، عن تطور محلي متصل شمل:
• أنماط الدفن
• الرموز الدينية
• التنظيم الاجتماعي والسياسي
ولا يظهر في هذا التسلسل أي انقطاع حضاري يدل على استبدال سكاني أو سلالة وافدة.
أما الدراسات الوراثية الحديثة، ومنها تحاليل الحمض النووي المنشورة في دوريات علمية مرموقة، فتؤكد:
• وجود صلات جينية محدودة مع مناطق الهلال الخصيب
• لكن الغالبية العظمى من الأنساب تعود إلى سكان وادي النيل المحليين
وهو ما يعني أن التواصل البشري والتجاري كان قائمًا، دون أن يرقى إلى مستوى حكم أجنبي أو تأسيس سلالة وافدة.
رابعًا: تفكيك الربط بين الأسرة الأولى والهكسوس
يُعدّ الربط بين الأسرة الأولى والهكسوس أحد أبرز مواطن الضعف في مقولة أبو زهرة، إذ تفصل بين الظاهرتين فجوة زمنية تقارب ألف عام:
• الأسرة الأولى: نحو 3100 ق.م
• الهكسوس: نحو 1700–1550 ق.م
كما أن الهكسوس:
• لم يؤسسوا الدولة المصرية
• بل حكموا جزءًا منها في فترة ضعف سياسي
• وكانوا ظاهرة استثنائية لا بنيوية
أما مصطلح «العمالقة»، فهو توصيف ديني–تراثي لاحق، لا وجود له في النصوص المصرية القديمة ولا في علم الآثار.
خاتمة
يتضح من هذا العرض أن مقولة محمد أبو زهرة حول أصول الأسرة المصرية الأولى لا تستند إلى أدلة أثرية أو وراثية محكمة، بل تنتمي إلى سياق فكري تاريخي تجاوزته المناهج العلمية الحديثة.
لقد نشأت الدولة المصرية القديمة بوصفها:
• ثمرة تطور محلي في وادي النيل
• مع انفتاح واسع على التفاعل الحضاري مع الشرق الأدنى
• دون أن يعني ذلك تبعية سياسية أو سلالة حاكمة وافدة
ومن هنا، فإن التمييز بين التأثير الحضاري والأصل العرقي أو السياسي يظل شرطًا أساسيًا لقراءة تاريخية علمية منصفة، تحفظ للتراث مكانته، وللعلم سلطته.
المراجع والإضاءات العلمية
1. محمد أبو زهرة
مقارنات الأديان،
دار الفكر العربي، القاهرة.
– المرجع الذي انطلقت منه المقولة موضوع القراءة النقدية، مع التنبيه إلى طابعه الفكري غير الأثري.
2. Barry J. Kemp
Ancient Egypt: Anatomy of a Civilization
Routledge, London.
– من أهم المراجع التي تؤكد التطور المحلي للدولة المصرية ورفض فرضية السلالة الوافدة.
3. Toby Wilkinson
The Rise and Fall of Ancient Egypt
Bloomsbury, 2010.
– يعالج نشوء الدولة المصرية في سياق داخلي متدرج، مع الإشارة إلى التفاعل الخارجي دون تبعية.
4. Bruce Trigger et al.
Early Civilizations: Ancient Egypt in Context
American University in Cairo Press.
– مرجع مقارن يضع الحضارة المصرية ضمن محيطها الإقليمي دون اختزالها في أصول وافدة.
5. Manfred Bietak
دراسات حول الهكسوس، منشورة في:
Journal of Egyptian Archaeology
– توضح الطبيعة الزمنية والسياسية المحدودة لحكم الهكسوس، وتفصل بينهم وبين نشوء الدولة المصرية.
6. Nature Journal
دراسات الحمض النووي للمصريين القدماء
– تؤكد وجود تواصل جيني محدود مع الهلال الخصيب، مع غلبة الأصول المحلية لسكان وادي النيل.
7. Encyclopaedia Britannica
مواد:
o Early Dynastic Period of Egypt
o Dynastic Race Theory
– عرض علمي موجز لتاريخ النظرية ونقدها الحديث.







































