دراسة نقدية تحليلية لنصّ بركان نار للكاتبة دعاء محمود بقلم الناقد الفذّ والباحث عدنان الطائي
النّص
بركان نار
حمم تتلظَّى في باطن الأرض انصهار، غليان ينذر بانفجار قريب، ضغط الأرض عليه، أفعال بشرية؛ تتسبَّب بكارثة طبيعيّة وشيكة. إنهنَّ المؤنسات الغاليات، رقيقات القلب، جيَّاشات العواطف، قد صرن في خطر عظيم؛ ضغط من كلِّ جانب؛ معتقداتنا العربية ـ عيب! لا يصحُّ! هذا نصيب الذُّكور ـ الأبناء لا تنتهي طلباتهم، احتياجاتهم في تصاعد مستمر؛ تعليم، تمريض، تربية. الزَّوج ساعديني بالعمل؛ تنفق معه المال رأسا برأس ؛ أصبحت هي الأبُ والأمُّ؛ هي القوَّامة الفعلية ـ الزَّوج ضيف شرفي في حياتها ـ فإذا انفجر قتلها دون أدنى رحمة ـ ضغط الحياة عليه كبيرـ لا يعطيها حقَّها كما يجب، لا ينفق كما يجب. نضع رؤوسنا تحت التُّراب كالنَّعام، نتحدَّث بالنَّعرة العربية، نعمى عن حقائق خفيَّة تودي بالمجتمع العربي ككلِّ؛ فإذا عبَّرت انهالت عليها ويلات الانتقاد ـ ظلُّ رجل ـ وإذا اشتكت فإنّها ـ تكْفُر العشير ـ أين أنتم الآن معشر عروبتي حرَّاس أمن حوريات الأرض ورجالها المخلصين. نساء الأمس تحمَّلن، أما فتيات اليوم فهنَّ على حافَّة الإنهيار. في عقولهن بركان يستعر، أسئلة لا إجابة عليها؛ لماذا كلُّ ما يحدث لأمَّهاتنا؟! لماذا القهر، العذاب، وازهاق أرواحهن هدرا؟! لماذا نخضع مثلهنّ؟! لماذا نعدُّ الطَّعام، نحن نعمل مثل الرِّجال؟! لماذا القوامة في أيديهم؟! نحن أيضا قوَّامات. وفجأة؛ تتبدَّل المفاهيم وتتغيَّر، يندثر ما تربَّينا عليه، تصبح التَّجارب السَّابقة ناقوس خطر يدقُّ في آذانهنَّ؛ يقررن ـ بلا وعي منهنّ ـ لابد من ثورة؛ فتقلع الفتيات عن الزَّواج، يعرضن عن الخضوع للرٌّجال، لا يُجدي معهنّ الأحاديث النَّاعمة ولا الكلام. تحوَّلت شخصيتها إلى رجل في زيِّ امرأة، هانت عليها أنوثتها، حين ظلمها المجتمع، فترك معتقدات غربيّة تؤثّر على الكلِّ، فساءت الأحوال، بدأت بالحرَّيَّة والمساواة، هدم القيم والتَّعاليم الَّتي تربَّينا عليها، نكران فكرة الأسرة، وتضليل النَّاس بأفكار شاذّة جنينا حصيلتها مؤخَّرا. نحن الآن في انتظار انفجار البركان؛ لا زواج، لا أسرة، ولا كيان عربي؛ اختفت العادات والتَّقاليد وانتهى دور المرأة الحقيقي. صار مجتمعا جافًّا مادّيًا تتحكَّم فيه الشَّهوات، الغرائز، ضربة سيف خرَّبت علينا حياتنا فلم تعد صالحة للحياة. هنا أقف عاجزة تجاه عروبتي خوفا عليها، واشفاقا من ثورة عقليَّة هائلة وشيكة الحدوث. المحزن أنّها ليست ثورة تطوُّر، تقدّم، وحضارة وإنَّما انحدار، تأخر، وانهزام. جاء الإسلام ليُعلي شأنها فإذا بها تهدم كلَّ القيم والتَّعاليم لتدافع عن أدنى حقوقها في الحياة، نظرة عابرة على أواخر الأعوام؛ نفهم كثرة الجرائم من الطَّرفين، عزوفهم عن الزَّواج وتكوين الأسر خلافا لتعاليم الله. أدقُّ الآن الأجراس حتَّى ننتبه؛ نساؤكم أمانة وصَّى بها النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم؛ أعيدوها إلى أنوثتها، أعينوها على العودة لما فطرها الله عليه؛ فإنهنّ المؤنسات الغاليات، حبّات القلوب، ماسات نادرة، وصيَّة رسول الله، رقيقات المشاعر، تسعدهنَّ كلمة، وتداويهنَّ لمسة.
الكاتبة الصحفية/ دعاء محمود
دعاء قلب
مصر
الدّراسة النّقدية
بقلم/ عدنان مهدي الطائي
نصّك قويّ، مشحون، وصادق الانفعال، ويُحسب له أنه لا يكتب من برجٍ عاجي، بل من تماس مباشر مع الجرح الاجتماعي. سأعطيك تقييماً نقدياً متوازناً من حيث الفكرة، البناء، اللغة، والاتجاه الفكري.
أولاً: الفكرة والرؤية
النص يعالج إشكالية شديدة الحساسية: وضع المرأة العربية بين الضغط الاجتماعي والانفجار النفسي، مستخدماً استعارة البركان بذكاء واضح.
نقاط القوة:
• الرؤية واضحة: هناك ظلم متراكم، كبت، ونفاق اجتماعي.
• الربط بين القهر الفردي والانهيار المجتمعي موفق.
• طرح الأسئلة على لسان الفتيات أعطى النص بعداً درامياً وفكرياً عميقاً.
• التحذير من الانفجار ليس وعظياً مباشراً، بل نابع من سياق منطقي.
ملاحظة فكرية مهمة (وليست انتقاداً):
النص يقف في منطقة التحذير من التطرفين:
• تطرف المجتمع الذكوري القامع.
• وتطرف القطيعة الكاملة مع الأسرة والقيم.
وهذا موقف ناضج، لكنه يحتاج أحياناً إلى توازن لغوي أدق حتى لا يُفهم كتحميل المرأة وحدها نتائج الانهيار.
ثانياً: البناء والسرد
البناء تصاعدي ناجح:
البركان (الاستعارة الكبرى).
1. أسباب الضغط (الأسرة، الزوج، المجتمع).
2. الأسئلة الوجودية.
3. الانفجار الفكري.
4. النتيجة الكارثية.
5. النداء التحذيري.
هذا تسلسل منطقي ومتماسك.
لكن:
النص طويل نسبياً ويعتمد على النفس الخطابي، ما يجعله أقرب إلى مقالة فكرية بلغة أدبية أكثر من سرد قصصي.
• يمكن اختصاره بنسبة 15–20٪ دون فقدان الفكرة، خاصة في:
o تكرار توصيف القهر.
o بعض الجمل التقريرية المباشرة.
ثالثاً: اللغة والأسلوب
اللغة جميلة، جزلة، ومشحونة بالعاطفة.
مواطن الجمال:
• استعارة البركان موفقة وممتدة دون ابتذال.
• التوازي في الأسئلة (لماذا… لماذا…).
• الجمع بين الصورة الشعرية والخطاب الاجتماعي.
ملاحظات لغوية طفيفة:
• أحياناً يطغى الخطاب الوعظي على السرد (خصوصاً في الخاتمة).
• بعض الجمل طويلة جداً وتحتاج إلى تقطيع لتخفيف الثقل.
• استعمال ألفاظ مثل “تحولت شخصيتها إلى رجل في زي امرأة” قد يُفهم بشكل صدامي؛ لغوياً قوي لكنه دلالياً حاد، حسب المنصة والجمهور.
رابعاً: الخاتمة
الخاتمة مؤثرة وذات حمولة دينية وأخلاقية عالية، وتنسجم مع خلفيتك الفكرية.
اقتراح بسيط:
لو خُتم النص بنداء إنساني عام قبل الديني، ثم أُتبع بالمرجعية الإسلامية، لكان أثره أوسع على القراء المختلفين فكرياً.
التقييم العام
فنياً: 8.5 / 10
فكرياً: 9 / 10
جرأة الطرح: عالية
قابلية النشر: ممتازة (مع تنقيح بسيط حسب المنصة)
خلاصة رأيي
هذا نص:
• يُقلق القارئ وهذا جيد.
• يطرح أسئلة لا أجوبة سهلة لها.
• لا يدافع عن المرأة ضد الرجل، بل عن الإنسان ضد الظلم.
• يعكس وعياً فلسفياً واجتماعياً ناضجاً، لا انفعالاً سطحياً.







































