البوديكاست المكتبي، مفتاح لتطوير القراءة والبحث بالمكتبات العمومية.
إعداد: أ.د حمام محمد
أستاذ باحث متخصص وناقد.
ومهما بلغت استراتيجيات التخطيط الفكري والعقلي والمنطقي في جعل موضوع القراءة من اهتمامات المجتمع، يظلّ الأمر صعباً في عموميته، وسهلاً في خصوصيته عندما نرى الإمكانيات والتحديثات التكنولوجية التي طالت هذه المكتبات. لكن الواقع يفرض الاعتراف بأنّ المادة المتخصّصة تكاد تكون ناقصة بالنظر إلى ضخامة ملف المقروئية، وهو ملف ثقيل حملته وزارة الثقافة على عاتقها، ومع ذلك لا يعني هذا أنّ الاستراتيجية الفعّالة عاجزة عن إعطاء القراءة أهميتها التاريخية الممتدة منذ آلاف السنين.
فالمكتبات التي نظّمت جهودها العملية بما يضمن وصول الكتاب إلى القارئ وتسجيله افتراضياً، حققت خطوةً جيدة، خاصّةً مع توفير فضاءات مريحة للقراءة. غير أنّ السؤال يظلّ مطروحاً، من سيقرأ، وهل هناك عوامل واضحة تدفع القارئ فعلاً إلى القراءة؟
حتى وإن وُجدت محفزات مادية لتشجيع القراءة داخل المكتبات العمومية، فإنّ النظر إلى الموضوع من زاوية واحدة أمر ناقص، إذ يجب النظر إليه أيضاً من زاوية مقابلة تتمثل في الاهتمام بالمواد الثقافية التي ترتبط بفاعلية العيش والتحضر الثقافي، كما يؤكد بعض علماء الاجتماع. أي إنّ هناك جانبين متناقضين، عزوف عن القراءة، واهتمام بالماديات.
الطرح الأساسي الذي يركز عليه هذا المقال هو، ما حدود صناعة المحتوى المكتبي لخدمة القارئ؟ وهو أمر لا يخص المكتبة وحدها، بل يمتدّ إلى كل المهتمين بمجال تحديد الروابط والطرائق التي تساعد على القراءة.
وفي تجربتنا الإعلامية والاتصالية، نرى أنّ القائم بالمحتوى مطالب أوّلاً بتعيين فكرة القراءة بوضوح. فمسألة معرفة ماذا يريد القارئ أن يقرأ معقّدة، وليست مرتبطة بزمن محدّد بالساعة. فالقارئ عندما يدخل إلى بهو المكتبة، ينجذب إلى موضوعات غنية وضخمة، يشعر شعوراً داخلياً بضرورة استيعابها كلّها، وقد تطرأ عليه هذه الحالة الشعورية منذ اللحظة الأولى للتصفح، حتى قبل أن يجلس.
هذه الحالة النفسية يمكن أن نسمّيها صفة اللاتركيز، حيث يستدعي القارئ كلّ الموضوعات دفعة واحدة، محاولاً هضمها في أقرب وقت. بعضهم يقنع نفسه أنّه سيتمكّن من التهامها في يوم أو يومين، ويبرّر ذلك بقراءة العناوين والعتبات، ظانّاً أنّه بذلك قد اطّلع على الكتاب بما يكفي لينتقل إلى كتاب آخر.
هذه الخطوة، رغم سلبياتها، تبقى مهمّة وإيجابية إذا أخذها صانع المحتوى بعين الاعتبار، لأنّ التفكير في نوايا القارئ قبل دخوله المكتبة يتيح للمسؤولين عنها معرفة مجالات اهتمامه، ومن ثمّ توجيهه بواسطة اللافتات الداخلية نحو فضاء قراءته المناسب. وذلك يجعله أقل عرضة للتشتّت بين العناوين العديدة التي قد تُفقده تركيزه، وتُبقي عنصر القراءة عنده في حالة إثارة غير منتجة.
وهنا ينبغي الإشارة إلى أنّه ينبغي أن يُصاغ محتوى مثير لهذه النقطة، في شكل ومضة إعلانية ثرية، يقرؤها القارئ قبل الذهاب إلى الفضاء المعني. وأثناء القراءة، يجب أن يجد القارئ أمامه مختصّين، ولو عبر دورات تكوينية في الذكاء الاصطناعي ومواقع التواصل، حتى يكون القائم على المحتوى على بيّنة من أنّ القارئ قد يستعمل الذكاء الاصطناعي استعمالاً خاطئاً. لذلك ينبغي أن يجد القارئ في بهو القاعة الإجابات التقنية التي تساعده، ليكتمل لديه الولوج السليم إلى الكتاب، خاصّة إذا كانت المكتبة الإلكترونية قائمة.
وقد أدخلت بعض المكتبات، إلى حدّ الآن، كلّ اللوازم الخاصة بحفظ الكتب والعناية بها أثناء استخراجها للتداول، وهو أمر جيّد عملت به كثير من المكتبات.
أما الأمر الآخر، فهو كيفية استيعاب القارئ الصغير لمضمون الكتاب. حبّذا لو دعا صانع المحتوى إلى مسابقة تتعلّق بالاستيعاب النصّي للكتاب، ويكون الامتحان بصرياً وسمعياً، ويشكّل في حدّ ذاته نوعاً من البوديكاست.
إنني آمل أن تتطوّر المكتبة من مجرّد فضاء لحفظ الكتب إلى منصّة لصناعة محتوى داخل المكتبة نفسها، تشجّع القارئ على استيعاب ما يقرأ عبر العروض والوسائط، مما يحفّزه على ولوج مجالات أخرى والتجوّل بين فضاءات التخصّص. وبالمرافقة المكتبية، سوف يستطيع القارئ أن يعتمد كليّاً على المكتبة العمومية، خاصّة إذا وجد بين روّادها الأكاديميين المتخصّصين، سواء من خلال جلسات أسبوعية تنظّمها المكتبة وتشرف عليها بكل وسائلها، أو عبر ملتقيات يحضرها أبناء المكتبة الذين رافقتهم على مدى خمس سنوات.
إنّ مثل هذا التخطيط للمرافقة القرائية سيساهم في توجيه القارئ داخل فضاء يجمع الأكاديميين والتقنيين والمؤلفين، وبهذا ستترسّخ في ذهنيته أساليب حبّ الكتاب ورقياً وإلكترونياً، لأنّه سيشكّل بالنسبة له المنفذ الوحيد







































