جهاد و رامي!…
(نداء الهجرة إلى البعيد )
“تتمّةُ القصّة”…
والأمّ وقد هزّتها الصّدمة ،انشلّت يداها … لم تدرِ ماذا تفعل …
راحتْ تدخل من غرفة إلى أخرى، لتُخبّئ قميصًا لابنها يحمل رائحته النّديّة…
لم تعد تعرف شيئًا…نسيت ما كانت تعدّه من أطايب في سفرتها…
حتّى أصابعها لم تُطاوعْها في “هرمِ”البقدونس،وهي الماهرة في تحضير التّبّولة بدقائق…
فقط كانت تخنقُ دموعَها …
وقلبها يطرقُ حزينًا، ليعزف أنغام الوداع الجارحة…
بدتِ السّهرة في الظّاهر،ذكرًى جميلة لأيّام الرّفقة والضّحكات…
يسكرون دون خمرٍ ،ومُقبّلات…
استفاق الجميعُ باكرًا على غير عادتهم …أو بالأحرى لم يناموا ليلتها…
وصَلوا يرون رفيقهم ،كما هي العادة في القرى …
قبل أن تطلِّ الشّمس ، من أغصان شجرة الشّربينِ المُعمّرة …
حمل “جهاد” حقيبته يُلازم عمّه …يتركون وطنًا يشتاق إليهم…
آخذا بركة أمّه وأبيه …
وحزنُ الفراق مرتسمٌ في شحوب الوجوه…
أمّا الأصعب فكان عندما أتى المساء …
جلسَتِ الأمُّ والإخوة ،على سرير “جهاد ” البارد … وقميصه بين أيديهم المتشابكة …
نعم :ما أصعب أن يغيب أوّلُ ولدٍ من البيت !…
ردّدتِ الحيطان بكاءَهم ، عطرُه المميّز عابقٌ في الغرفة وهو يبتعدُ…
ترى !…أيكون جالسًا قربَ عمّه في الطّائرة؟ …
هل هو مرتاح؟ …
وفي العلياء تتتالى الطّائرات …يُسمعُ هديرُها … هدير الهجرة الموجع…حتّى غدتْ كلُّ طائرة تمرّ في السّماء ، يسافر فيها “جهاد” الحبيب الغالي…
و”جهادٌ” آخر و “طوني” و “إحسان”و”زين”وبسّام …
أصبح كلّ شبابنا في بلادِ الانتشار… …
أمّا الحياة فلا تتوقّف …
العمل في الكرم البعيد لم ينتهِ …
كيف ستُحرَمُ العرائشُ من رفيقاتها الأشجار المقصوصة،المتثاقلة على الثّرى بانتظار المدفأة بعد حين …
يا لهذا التّآلف في الطّبيعة المذهلُ الغريب ،لا يعرفه البشر المُتعادين…
لكن !…مَن سيساعد أبا “سمير” ليُحَمِّلَ “دابَّتَه” الحطبَ من الكرم البعيد؟
وهل مَن ْيفهم بالكتب ،يفهم بالحطَب و بعملِ الدّابّة ؟…
أيعني له العنبِ والزّبيب ؟… أيعرفُ منافعَ الدّبس ، ويتمتّع بجمالِ العناقيد الّتي حمّرتْ الشّمسُ خدودَ حبّاتِها قبل المغيب…
أمُّ “جهاد” الّتي أورثت ابنها البكر حبّ الأرض قالت:
“سأذهب لأعاونَ “أبا سميرٍ” جارنا وهو مشكور للطفه …حاضرٌ دومًا للمساعدة …
وإذا بابنها” رامي” يقترب ويضمّها إلى صدره ويبادرها بابتسامة:
“أمّي لن أترككِ …أذهب مكانك …لن أترككِ بعد الآن …
أخي ، وفّقه الله ابتعدَ وقلبُه معنا!…
سأكون لكمِ السّند دومًا…
وهكذا كان…
وأمّا أمّ “جهاد” فقدِ ازدادت فخرًا بأولادها …
فالعلم والذّكاء يكتملانِ بالمحبّة …
والتَّكاتف الّذي يجمعهم …يُلقّنُ في مدرسة البيت الأولى والأكثر أهمّيّة …
أخلاق المرء …الاستقامة ونصاعة الضّمير ،والتّربية الحسنة …
أثمن الكنوز ! …هي حصاد ما يزرعه الأهلُ عبر الأجيال في أروعِ نعمة من السّماء:الأولاد!…
(الأمُّ بمساندةِ الأب ، -بالمثلِ الصّالح -…يساهمان في تربية الأجيال لمجتمعٍ مثاليّ…
فحيث يتعاون الرّجل والمرأة بالتّقدير والاحترام…
تُحلّق الحياة بجناحين سليمين في عظمةِ الخلق …!)
الحسناء
٢٠٢٦/١/١







































