تجارة لن تبور
الجزء الثاني
” الحمد لله ” كلمة يحبها الله
الحمد لله :عبارة تحمل في حروفها المضيئة إشراق النفس وامتلاءها بشكر المنعم سبحانه ، الذي أعطى فأجزل ، وأنعم علينا وتفضَّل .لا رازق إلاه ولا معبود بحق سواه.
الحمد لله” من أطيب ما نطقت به الألسن واستراحت به النفوس ، وكثرت به الأجور، وارتفعت به المنزلة عند رب العالمين.”
” الحمد لله” هي أول الكلام وَآخِرُه ، وأول الخلق وخاتمته ، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ القصص 70:
قال تعالى: ﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ يونس10
قال تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ الأنعام 1 وقال تعالى: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ الزمر 75 وأول كلم الكتاب ، وبها افتتحت خمس سور من القرآن: فاتحة الكتاب ، والأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر تاكيدا لفضلها وشرف منزلتها وعظم أجرها.
تعريف الحمد هو الثناء الحسن على الله سبحانه وتعالى- وحده هو المستحق للمحامد كلها، فهو -سبحانه- المحمود من كل وجه ، بجميع أنواع الحمد.فالحمد لله على إحسانه وآلائه ونعمائه ، والحمد لله على أسمائه الحسنى وصفاته العلا.
الحمد لله : قالها نوح عليه السلام عندما استوى هو ومن معه على الفلك ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ المؤمنون 28 كَانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا أَكَلَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَإِذَا شَرِبَ وَإِذَا لَبِسَ وَإِذَا رَكِبَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَسَمَّاهُ اللَّهُ (إِنه كان عَبْدًا شَكُورًا) قال رسول الله ﷺ: أحب الكلام إلى الله تعالى أربع: لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله، والحمد لله ، ولا إله إلا الله، والله أكبر ؛ وقال رسول الله ﷺ )الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله، والحمد لله تملأن مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض )
وقول الحمد لله من الأعمال الصالحة التي هي خير من الدنيا وما فيها؛ لما فيها من الأجرالعظيم قال رسول الله ﷺ:( لأن أقول سبحان الله ، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ أحب إلي مما طلعت عليه الشمس) والحمد لله من الأعمال الصالحة التي يبقى لصاحبها أجرها، قال رسول الله ﷺ )خذوا جُنتكم من النار قولوا : سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ فإنهن يأتين يوم القيامة مقدِّمات، ومعقِّبات، ومجنِّبات، وهن الباقيات الصالحات)
الحمد لله : قالها إبراهيم عليه السلام – حينما أنعم اللَّه عليه بنعمة الولد: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾ إبراهيم 39.
وقالها داود وسليمان عليهما السلام -لما مَنَّ اللَّه عليهما بالملك العريض: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ النمل 15.
وتقولها الملائكة عليهم السلام: ﴿ وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ الزمر 75.
ويقولها أهل الجنة ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ﴾ فاطر 34
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ﴾ الزمر: 74 ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾ الأعراف 43.
بل إن ما في الكون كله يسبح بحمد اللَّه ، ويخضع لسلطانه، ﴿ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ﴾ الرعد 13 ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ الإسراء 44.
وكان الرسول الخاتم ﷺ صاحب لواء الحمد كثير الحمد للّهَ ، والضراعة إليه ، كما أمره ربه وعلمه. ، قال رسول الله ﷺ (لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر).
فضائل الحمد
1 – الحمد لله تملأ الميزان عن سلمان، عن النبي – ﷺ قال: يوضع الميزان يوم القيامة ، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة: يا رب، لمن يزن هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.
عَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيِّ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ : الْحَمدُ للهِ تملأ الْمِيزَان، وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر تملأ مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض.
وها هي الكلمة المباركة تملأ ذلك الميزان ، عن عبدالله بن عمرٍو أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال (التَّسْبِيحُ نِصْفُ المِيزَانِ ، و”الحَمْدُ للَّهِ” تَمْلَأُ المِيزَانَ، وَ”لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ” لَيْسَ لَهَا سِتْرٌ حَتَّى تَخْلُصَ إلى الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ )
2- الحمد لله أفضل الدعاء: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ) إِنَّ أَفْضَلَ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَأَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ )
3- الحمد لله سبيل لرضا الله تعالى: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ أَوْ يَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا).
4 – الحمد لله تمحو الذنوب: عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ” مَنْ أَكَلَ طَعَامًا ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا الطَّعَامَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.
5 – الحمد لله أعظم النعم: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ -رضي الله عنه: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَحَمِدَ اللهَ عَلَيْهَا إِلَّا كَانَ ذَلِكَ الْحَمْدُ أَفْضَلَ مِنْ تِلْكَ النِّعْمَةِ. وقال ﷺ: ” (مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً، فَقَالَ: الْحَمْدُ للهِ، إِلَّا كَانَ الَّذِي أَعْطَاهُ أَفْضَلَ مِمَّا أَخَذَ”)
6- الحمد سبب مباهاة الرب: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا يُجْلِسُكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: آللَّه مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَلِكَ، قَالَ: أَمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ): مَا يُجْلِسُكُمْ؟»، قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَمَنَّ عَلَيْنَا بِهِ، قَالَ: «آللَّه مَا يُجْلِسُكُمْ إِلَّا ذَلِكَ؟»، قَالُوا: آللَّه مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَلِكَ، قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ )
7- الحمد لله أحب الأعمال: عَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ، قَالَ ” (وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ الْحَمْد)
8- أهل الحمد أفضل الناس يوم القيامة: عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -رضي الله عنه : قَالَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ “إِنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْحَمَّادُونَ”.
9- بيت الحمد في الجنة: أن النبيَّ ﷺ قال) إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ)
مواطن يشرع ويستحب فيها الحمد:
١/ دخول الجنة: من أجمل وأجل مواطن حمدالله تعالى هي موطن دخول الجنة ، ومن عاش على شيء مات عليه ، قال الله تعالى: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ الأعراف 43
٢/الصلاة :عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: (اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد)
٣/الفراغ من الطعام والشراب و لبس الثوب :عن أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه “إنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا فرَغ من طَعامِهِ، قال: الحمدُ للهِ الذي كَفانا وأَرْوانا، غيرَ مَكفِيٍّ ولا مَكفورٍ« وعن معاذ بن أنس الجهني رضي الله تعالى عنه قال: قال النبيُّ ﷺ (مَنْ أكلَ طعامًا ثُم قال : الحمدُ للهِ الَّذي أطعمَنِي هذا الطعامَ ، ورزَقَنِيهِ من غيرِ حولٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ ، غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ من ذنْبِهِ(. و عنه قال: قال النبيُّ ﷺ) مَنْ لبِسَ ثوبًا، فقال: الحمدُ للهِ الذي كسَانِي هذا، ورزَقَنِيهِ من غيرِ حَوْلٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ من ذنْبِهِ ومَا تأخَرَّ)
٤/ عند العطاس :عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال النبيُّ ﷺ »إذا عطس أحدُكم فليقلْ: الحمدُ للهِ، وليقلْ له أخوهُ أو صاحبُه: يرحمُك اللهُ، فإذا قال له: يرحمُك اللهُ، فليقلْ: يهديكم اللهُ ويصلحُ بالَكم«
٥/ عندالبلاء : قال عمر رضي الله تعالى عنه : “ما ابتليت ببلية إلا كان لله علي فيها أربع نعم: إذ لم تكن في ديني، وإذ لم أحرم الرضا، وإذ لم تكن أعظم ، وإذ رجوت الثواب عليها”
٦/ على أي حال عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله ﷺ» إذا رأى ما يحب قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وإذا رأى ما يكره قال: الحمد لله على كل حال
الحمَّادون قال رسول الله ﷺ(أفضل عباد الله تعالى يوم القيامة الحمَّادون)
قصة أَبو قلابة الجرمي صاحب ابن عباس
عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ الْحُكَمَاءِ قَالَ: خَرَجْتُ وَأَنَا أُرِيدُ الرِّبَاطَ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِعَرِيشِ مِصْرَ، أَوْ دُونَ عَرِيشِ مِصْرَ، إِذَا أَنَا بِمِظَلَّةٍ وَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ قَدْ ذَهَبَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَبَصَرُهُ، وَإِذَا هُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَحْمَدُكَ حَمْدًا يُوَافِي مَحَامِدَ خَلْقِكَ، كَفَضْلِكَ عَلَى سَائِرِ خَلْقِكَ؛ إِذْ فَضَّلْتَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْتَ تَفْضِيلًا، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَسْأَلَنَّهُ أَعَلِمَهُ أَمْ أُلْهِمَهُ إِلْهَامًا؟ قَالَ : فَدَنَوْتُ مِنْهُ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ ، فَقُلْتُ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ أَتُخْبِرُنِي بِهِ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ أَخْبَرْتُكَ بِهِ، فَقُلْتُ: عَلَى أَيِّ نِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِهِ تَحْمَدُهُ عَلَيْهَا؟ أَمْ عَلَى أَيِّ فَضِيلَةٍ مِنْ فَضَائِلِهِ تَشْكُرُهُ عَلَيْهَا ؟ قَالَ : وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ صَبَّ عَلَيَّ السَّمَاءَ نَارًا فَأَحْرَقَتْنِي ، وَأَمَرَ الْجِبَالَ فَدَمَّرَتْنِي، وَأَمَرَ الْبِحَارَ فَغَرَّقَتْنِي، وَأَمَرَ الْأَرْضَ فَخُسِفَتْ بِي ، مَا ازْدَدْتُ لَهُ إِلَّا حُبًّا، وَلَا ازْدَدْتُ لَهُ إِلَّا شُكْرًا،على هذا اللسان الذاكر وهذا القلب الشاكر. وَإِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً ، بُنَيٌّ لِي كَانَ يَتَعَاهَدُنِي لِوَقْتِ صَلَاتِي، وَيُطْعِمُنِي عِنْدَ إِفْطَارِي، وَقَدْ فَقَدْتُهُ مُنْذُ أَمْسِ، انْظُرْ هَلْ تُحِسُّهُ لِي؟ فَقُلْتُ: إِنَّ فِي قَضَاءِ حَاجَةِ هَذَا الْعَبْدِ لَقُرْبَةً إلى اللَّهِ، قَالَ: فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ بَيْنَ كُثْبَانٍ مِنْ رِمَالٍ، إِذَا أَنَا بِسَبُعٍ قَدِ افْتَرَسَ الْغُلَامَ يَأْكُلُهُ، قَالَ: قُلْتُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، كَيْفَ آتِي هَذَا الْعَبْدَ الصَّالِحَ مِنْ وَجْهٍ رَفِيقٍ فَأُخْبِرُهُ الْخَبَرَ لَا يَمُوتُ؟ قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ أَتُخْبِرُنِي بِهِ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ أَخْبَرْتُكُ بِهِ، قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مَنْزِلَةً أَمْ أَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ؟ قَالَ: بَلْ أَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلَامَ كَانَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنِّي، وَأَعْظَمَ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنِّي، قَالَ: قُلْتُ: أَلَيْسَ ابْتَلَاهُ اللَّهُ فَصَبَرَ، حَتَّى اسْتَوْحَشَ مِنْهُ مَنْ كَانَ يَأْنَسُ بِهِ، وَصَارَ غَرَضًا لِمُرَّارِ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: فَإِنَّ ابْنَكَ الَّذِي أَخْبَرْتَنِي مِنْ قِصَّتِهِ مَا أَخْبَرْتَنِي، خَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ بَيْنَ كُثْبَانٍ مِنْ رِمَالٍ، إِذَا أَنَا بِسَبُعٍ قَدِ افْتَرَسَ الْغُلَامُ يَأْكُلُهُ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ فِي قَلْبِي حَسْرَةً مِنَ الدُّنْيَا ولَمْ يَجْعَلْ مني نسمة الى النار ثُمَّ شَهِقَ شَهْقَةً فَمَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
قَالَ: قُلْتُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، مَنْ يُعِينُنِي عَلَى غُسْلِهِ وَكَفَنِهِ وَدَفْنِهِ؟ قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِك، إِذَا أَنَا بِرَكْبٍ قَدْ بَعَثُوا رَوَاحِلَهُمْ يُرِيدُونَ الرِّبَاطَ، قَالَ: فَأَشَرْتُ إِلَيْهِمْ، فَأَقْبَلُوا إِلَيَّ، فَقَالُوا: مَا أَنْتَ وَهَذَا؟ فَأَخْبَرْتُهُمْ بِالَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، قَالَ: فَثَنَوْا أَرْجُلَهُمْ، فَغَسَّلْنَاهُ بِمَاءِ الْبَحْرِ، وَكَفَّنَّاهُ بِأَثْوَابٍ كَانَتْ مَعَهُمْ، وَوُلِّيتُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَدَفَنَّاهُ فِي مِظَلَّتِهِ تِلْكَ، وَمَضَى الْقَوْمُ إلى رِبَاطِهِمْ، وَبِتُّ فِي مِظَلَّتِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أُنْسًا بِهِ، فَلَمَّا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مِثْلُ مَا بَقِيَ مِنْهُ، إِذَا أَنَا بِصَاحِبِي فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، عَلَيْهِ ثِيَابٌ خَضِرٌ، قَائِمًا يَتْلُو الْوَحْيَ، فَقُلْتُ : أَلَسْتَ أَنْتَ صَاحِبِي؟ قَالَ: بَلَى ، قُلْتُ: فَمَا الَّذِي صَيَّرَكَ إلى مَا أَرَى؟ قَالَ: قيل لي( سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ( وَرَدَتُ مِنَ الصَّابِرِينَ عَلَى دَرَجَةٍ لَمْ يَنَالُوهَا إِلَّا بِالصَّبْرِ عِنْدَ الْبَلَاءِ، وَالشُّكْرِ عِنْدَ الرَّخَاءِ.
والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
أبو الندى- محمود فوزي الموجي







































