الآثار الاقتصادية لحذف الصفرين من العملة السورية وإصدار أوراق نقدية جديدة …
كتب … عماد مصطفى حلب
استضاف مدرج جامعة حلب ندوة علمية رائدة بعنوان “الآثار الاقتصادية لحذف الصفرين من العملة السورية وإصدار أوراق نقدية جديدة”، والتي عُقدت برعاية السيد الدكتور محمد أسامة رعدون، رئيس جامعة حلب، وشهدت حضوراً لافتاً، بما في ذلك ضيف الشرف السيد هاكان جينجيز، القنصل العام للجمهورية التركية في حلب، ومجموعة من الأكاديميين والباحثين والقامات العلمية.
لم تكن هذه الندوة مجرد تجمع علمي، بل كانت حواراً وطنياً حول مستقبل الليرة السورية وقدرتها على استعادة جزء من وظائفها الأساسية في ظل التحديات التضخمية الهائلة.
إن أي قرار لإعادة تقييم العملة، مثل حذف الأصفار، لا يتم في فراغ، بل ينبع من سياق اقتصادي محدد. شهدت سوريا موجة تضخمية غير مسبوقة، مدفوعة بعوامل متعددة، تشمل الاضطرابات الأمنية التي أثرت على الإنتاج وسلاسل الإمداد، العقوبات الاقتصادية الدولية، وتوسع قاعدة النقد المتداول دون غطاء حقيقي من زيادة في الناتج المحلي الإجمالي. هذا التضخم أدى إلى تآكل القوة الشرائية لليرة بشكل دراماتيكي، وتحول التعاملات اليومية إلى استخدام أوراق نقدية ذات قيمة اسمية ضخمة، مما خلق مشكلات لوجستية وتشغيلية هائلة.
ناقش المشاركون في الندوة الآثار المباشرة لإصدار العملة الجديدة بفئة جديدة مخفضة الأصفار. نظرياً، إذا تم إصدار عملة جديدة تحل محل القديمة بنسبة معينة (مثلاً، 100 ليرة قديمة تساوي 1 ليرة جديدة)، فإن هذا التغيير شكلي في البداية، ولكنه يحمل دلالات مهمة. الأثر الأبرز هو تقليل تكاليف طباعة الأوراق النقدية الجديدة، حيث ستحتاج الدولة إلى أوراق ذات أرقام أقل لتغطية نفس القيمة الحقيقية المتداولة حالياً.
ومع ذلك، حذرت المداخلات الأكاديمية من أن هذا الإجراء، إذا لم يُصاحبه ضبط صارم للسياسة النقدية، لن يغير شيئاً من القوة الشرائية الفعلية. إن حذف الأصفار هو معالجة سطحية لأزمة سيولة وتضخم عميقة. النقطة الجوهرية التي تم التركيز عليها هي ضرورة تزامن عملية الإصدار النقدي الجديدة مع إجراءات مالية قوية، مثل سحب الأوراق القديمة من التداول بشكل منظم لضمان عدم مضاعفة الكتلة النقدية. إذا فشلت الحكومة في سحب الأوراق القديمة بالكامل وتثبيت سعر الصرف الجديد، فإن السوق سيعيد تضخيم الأرقام الجديدة بسرعة، مما يعيدنا إلى المربع الأول، لكن باسم جديد.

كما تم تسليط الضوء على أهمية تصميم العملة الجديدة. يجب أن تتمتع الأوراق النقدية الجديدة بميزات أمنية متقدمة لمكافحة التزوير، ولإظهار جدية الدولة في الحفاظ على قيمة هذه العملة. الثقة في العملة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بثقة الجمهور في قدرة البنك المركزي على إدارتها.
أحد المحاور الأساسية التي تناولتها الندوة كان تحديات التنفيذ العملي والقبول المجتمعي لهذا القرار الجذري. يتطلب تغيير العملة عملية لوجستية ضخمة تشمل البنوك، والمؤسسات المالية، والشركات، والتجار، والمواطنين كافة. يجب وضع جدول زمني واضح ومناسب لتبديل العملات، مع فترة سماح كافية لضمان عدم تضرر أصحاب المدخرات الصغيرة أو غير المتعاملين بشكل كبير مع النظام المصرفي الرسمي.
القبول المجتمعي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتصور الناس لما يعنيه هذا التغيير. إذا فهم المواطنون أن الهدف هو تسهيل التعاملات وتخفيف عبء التعامل بالأصفار الكثيرة، فقد يكون القبول إيجابياً. أما إذا رُبط القرار بتخفيض القيمة الفعلية للمدخرات أو لم يُفسر بشكل جيد، فقد يؤدي إلى حالة من الذعر الاقتصادي أو عدم الثقة، خاصة في أوقات الأزمات. التجربة العالمية في دول مثل تركيا في عام 2005 (إزالة ستة أصفار) أو زيمبابوي (التي مرت بسلسلة من عمليات إعادة التسمية الفاشلة) تظهر أن نجاح العملية يعتمد بشكل كبير على استعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي أولاً.
وقد أشار القنصل التركي في مداخلته غير الرسمية إلى أهمية الاستقرار الإقليمي وكيف أن العلاقات التجارية الدولية تتطلب عملة ذات مصداقية يمكن استخدامها بسهولة في المعاملات الخارجية، مما يسهل حركة التجارة، وهو ما يعد تحدياً كبيراً للعملة السورية في ظل القيود الحالية.
أكدت المداخلات الختامية للندوة على أن حذف الأصفار ليس علاجاً شافياً، بل هو خطوة فنية أولية قد تساهم في تحسين الكفاءة اللوجستية للتعاملات. لكي ينجح هذا الإجراء في تحقيق استقرار حقيقي ومستدام، يجب أن يكون جزءاً من حزمة إصلاحات اقتصادية أوسع وأكثر جرأة.
أولاً، لا بد من تحقيق انضباط مالي ونقدي صارم. يجب على البنك المركزي السوري أن يتبنى سياسة نقدية تهدف إلى السيطرة على التضخم، بما في ذلك تقييد نمو المعروض النقدي المرتبط بتمويل عجز الموازنة العامة للدولة. ثانياً، يجب العمل على تعزيز الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الدخل القومي لزيادة عرض السلع والخدمات مقابل العملة المتداولة، وهو العامل الأساسي لرفع القوة الشرائية للعملة الجديدة. ثالثاً، هناك حاجة ماسة لبرنامج شفاف للتواصل الاقتصادي لإقناع الجمهور والمجتمع التجاري بأن العملة الجديدة تحمل نفس القيمة الفعلية للعملة القديمة في يوم الإصدار، وأن الحكومة ملتزمة بالحفاظ على هذه القيمة عبر سياسات موثوقة. إن الشفافية في عملية سحب الأوراق القديمة وتحديد سعر الصرف الجديد هي مفتاح النجاح لتجنب المضاربات وتخزين العملات.
إن البنية التحتية القانونية والتنظيمية يجب أن تتكيف بسرعة مع العملة الجديدة، وهذا يشمل تحديث جميع الأنظمة المحاسبية والضريبية والبنوك لإجراء التحويلات تلقائياً وبشكل سلس لضمان عدم تعطيل الحياة الاقتصادية. إن التعاون بين المؤسسات الأكاديمية والجهات التنفيذية، الذي تجسد في هذه الندوة، ضروري لتقديم المشورة المستنيرة قبل اتخاذ مثل هذه الخطوات الحاسمة.
ختاما …
لقد كانت ندوة جامعة حلب بمثابة منصة حيوية لتقييم نقدي معمق لإحدى أهم القرارات الاقتصادية المحتملة التي تواجه الاقتصاد السوري. يتضح من النقاش أن حذف الأصفار من العملة وإصدار أوراق نقدية جديدة هو إجراء إجرائي وتجميلي في جوه







































