بقلم … سونيا فرجاني
عاد أخي أمس من مصر الشامخة
لا بحقائب أثقلها التسوق فحسب، فمصر بلد خيرات، بل عاد بامتلاءٍ آخر… انبهارٍ يشبه الدهشة الأولى.
كان يتحدث عن الشعب قبل الآثار،
عن الوجوه قبل التاريخ،
عن أخلاقٍ تمشي في الشارع بلا استعراض،
وتجلس في الطوابير بصبرٍ قديم كالنيل.
للأسف أضاع زميله في اليوم الأخير من الرحلة حقيبة يد صغيرة فيها كل وثائقه وجوازه في خان الخليلي واضطروا معه لتسوية الأمر والحصول على جواز جديد .
قال كانت المعاملات رهيبة
سريعة رغم الإكتظاظ وضيق الوقت
بين وزارة الداخلية والشرطة والسفارة والعباسية ووووو
مرت الأمور بشكل سلس وخفيف لا يصدق
تطوقه كلمات دافئة وترحاب واحترام وسط عدد كبير من المواطنين والملفات والمشاغل.
العمل هناك يبدأ في الإدارات
قبل أن يصل إلى المطاعم،
هكذا فهمت
وإن الوقت يُعامل باحترام،
كأنه شخصٌ حاضر لا فكرة مؤجلة.
شعب بنى الأهرامات وتاريخها لايمكن أن يكون متثاقلا وكسولا.
كان يمجّد الشعب الجميل،
وذلك الاختلاط الحيّ الذي لا يؤذي، انبهر به في الأقصر وعلى ضفاف الكورنيش المطلي بذهب الخطوات والحب.
الضجيج هناك لا يكسر الروح
بل يذكّرها بأنها ما زالت بين بشر يحبون الكلمة الطيبة والإبتسامة العريضة ويورثونها بإتقان.
توقّف أخي طويلًا عند اللغة،
لغةٍ ناعمة،
تدخل الأذن بلا عنف
وتخرج محمّلة بالألفة والنسمات .
قال شوارع بلا كلام بذيء
وشعب بشوش بلا قفازات ولا خيانة لغوية .
تحدّث عن الكرامة
لا كشعارٍ مرفوع
بل كطريقة مشي،
كنبرة صوت،
كحدٍّ غير مرئي لا يُداس.
قال كانت فتاة صغيرة تبيع بعض الهدايا اشترى منها أحد مرافقيه ما يحتاج وقال لها اتركي الباقي معك
فغضبت وردت بلهجة مصرية عذبة:”انا مش مش بشحت “
وارجعت له الباقي بكل إصرار وعزم.
يالهذا النضج النقي في رأس بنيّة تكتشف العالم بوعي وثبات .
ككل دول العالم يوجد متسولون وبؤساء كما وصفهم فيكتور هيغو
ولكنهم بلغة طه حسين المعذبون في الأرض الطيبون فيها
في مصر فراعنة طيبون ومصريون باقون على عهد الجمال.
عاد أخي
وكأن مصر لم تكن مكانًا زاره،
بل مرآة
رأى فيها الإنسان
حين يكون بسيطًا وقويا ، مشغولًا بعمله،
ومطمئنًا إلى نفسه.
بقلم … سونيا فرجاني







































