” أبين زين أبين “المرأة بين مطرقة الواقع وسندان الخرافة بالمنيا
الإثنين 12/يناير/2026 – 01:32 م
أشرف كمال
ليست المرأة هنا ضحية سهلة فقط ، بل هي مركز هذه التراجيديا الإجتماعية ، تلك التي طحنها المجتمع بين مطرقة التقاليد وسندان الضغوط ، جردها من أنوثتها، فصارت ترسًا في آلة لا ترحم، تبحث عن عزاءٍ في وعود الجن، وشفاءٍ في ماءٍ مقروءٍ عليه، ورجاءٍ في كلمة تلقى على مسمعها من فم عرافة ، المثقفة والجاهلة، الغنية والفقيرة، الكل سواء في لحظة الضعف.
والنتيجة: تهافت على الوهم، واستغلال نفسي وجسدي يصل أحيانًا إلى حدود الكارثة، كما رصدت الدراما بجرأة في مسلسلات مثل السبع وصايا وساحرة الجنوب، حيث يستخدم السحر الأسود وسبل الشعوذة لتدمير حياة إنسانٍ كامل، بإسم الإنجاب أو الزواج أو الإنتقام أو النجاة.
– “السينما المصرية… مرآة الوعي ومصفاة الوهم ” ..
ولأن الفن لا يتخلى عن دوره حين يصمت الجميع، نهضت السينما المصرية لتقول كلمتها ، في فيلم “البيضة والحجر”، تجسد أحمد زكي دور “مستطاع”، أستاذ الفلسفة الذي انقلب دجالاً بوعي ساخر، لا يمتلك قدراتٍ خارقة، بل إدراكًا عميقًا لنفسية الإنسان الباحث عن الخلاص، ولو عبر الخرافة ، سخر الفيلم من هشاشة الوعي، وسلط الضوء على مأساة الإنسان الذي يخون العقل بحثًا عن راحةٍ مزيفة.
وفي “خالتي نوسة”، ظهرت العرافة في صورةٍ شعبية طريفة، لكنها ليست خالية من المعنى ، فقدم الفيلم نقدًا ضمنيًا لإجتماع المرأة البسيطة، والمجتمع الذكوري، والدجل المتستر بالدين، في بوتقةٍ واحدة تنتج الوهم كل يوم ، السينما هنا لا تكتفي بالسخرية، بل تصرخ بالحقيقة: أن المجتمعات التي تغض الطرف عن الجهل، تنجب الدجال، وتربيه، وتمنحه الشرعية بإسم العادة أو الحاجة أو الخوف.
– “الإعلام.. مرآة تعكس أوهام المجتمع أم دافع لها؟”
لا يقتصر استغلال الخرافة والدجل على العرافين وحدهم، بل يمتد ليصل إلى الإعلام الذي يفترض أن يكون مناراتٍ للوعيِ والتنوير مع الأسف، تحولَت بَعضُ القَنَوات الفضائية إلى منصاتٍ مَفتوحةٍ للمشعوذين الّذين يعلنون بلا خجلٍ عن “المعالجِ الروحانيِ” الّذي يرد المطلقة، ويزيل السحر والحسد، ويكشف السارق، ويزوج العانس، بل ويحقق أحلاما لا تعد ولا تحصى، كلها في إطار عروض مغريةٍ وكلماتٍ رنانةٍ تجذب المتابعين الباحثين عن حلولٍ سحرية سريعة.
هذا الدعم الإعلامي لا ينشر الوهم فحسب، بل يضخم من ظاهرة الإستهلاك الخاطئ للإيمان، ويمنح الدّجالين غِطاءً شبه رسميٍ يدفعهم للإستمرار والإنتشار، ما يعقد المعركة ضد الجهل، ويعمق جراح المجتمع ويفقده فرص التقدم والوعيِ الحقيقي ، وهكذا، يظل المشاهد ضائعًا بين الحاجة الملحة للنجاة والخوف من المجهول، وبين شبكةٍ متشابكةٍ من الأكاذيب التي تلتهم قواه العقلية والنفسية.
وليس الحديث عن ضحايا الدجل تنظيرًا مجردًا، بل واقع تؤكده الحكايات المنسية خلف أبواب البيوت المغلقة ، فـ”سعاد” إمرأة منياوية ، أرملة خمسينية، باعت ما تبقى من مصاغها ودفعت للعرافة “أم عبده” ألفي جنيه مقابل “عمل” يرد ابنها العاق إلى حضنها ، لم يعد الابن، ولم تعد النقود ، فقط تبخرت أحلامها كما تبخر البخور على نار موقدة فوق طبق نحاسي قديم.
و”خالد”، الشاب الجامعي بالمنيا ، ظن أن فشله في خطبة فتاة أحلامه سببه “سحر معمول”، فقادته أمه إلى شيخ يدعى “أبو المجد”، الذي أقنعهما بأن الحسد مسيطر على حياته ، باع الشاب هاتفه ليدفع تكاليف “الفك”، وحين لم يتغير شيء، أخبره الشيخ أن الأمر “أعقد مما تصورنا” ويحتاج إلى طقوس أغلى.
أما “نرمين”، المعلمة الشابة بالمنيا ، فقد دخلت في حالة اكتئاب بعدما أوهمتها إحدى قارئات التاروت بأنها “محسودة من أقرب الناس”، وراحت تشك في زميلاتها، بل وقطعت صلاتها ببعض أفراد عائلتها… بإسم “الرؤية” التي جاء بها الورق ، هذه النماذج وغيرها كثير، لا تظهر فقط جشع العرافين، بل تكشف تعطش الناس لأمل سريع، حتى وإن جاء على حساب كرامتهم ووعيهم ، إنهم لا يشترون الحل بقدر ما يشترون الوهم، تمامًا كما يشتري الغريق قشة وهو يعلم أنها لا تعوم.
-الخاتمة: بين الله والوهم… طريق لا يحتمل اثنين:
ليس بين العبد وربه حاجز، ولا يحتاج من يشكو البلاء إلى باب سري أو وسيط يحمل الطلاسم. إن الإيمان الحقيقي لا يُشترى في حجاب، ولا يزرع في بخور، بل يولد في العقل، ويترسخ في القلب، ويترجم في الفعل ، فلنعد الإعتبار للمسجد ، والكنيسة ، والمدرسة ، والجامعة ، ليتدخل الإعلام، وليكن الفن حارس الوعي، لا مروجا للوهم ، لتغلق أبواب العرافين، وليرتفع صوت العقل فوق الهمس الذي يضيع فيه الإنسان… فلا خلاص لنا إلا بالعودة إلى الله، عبر باب العقل، لا حفرة نقع في شراكها بسبب سوء الفهم والتقدير .







































