حصون التخلف والهيمنة والوعي الزائف
قراءة نقدية–جدلية في الثقافة بوصفها سلطة: من البليهي إلى غرامشي ومدرسة فرانكفورت
بقلم عدنان الطائي
مقدمة
لم تعد الثقافة في الفكر النقدي الحديث تُفهم بوصفها نتاجًا بريئًا للروح الإنسانية، بل كحقل صراع، وسلطة ناعمة، وأداة لإنتاج الامتثال. في هذا السياق، يكتسب كتاب حصون التخلف لإبراهيم البليهي الكاتب السعودي أهميته بوصفه محاولة عربية جريئة لتفكيك البنية الذهنية المانعة للنهوض، بينما يقدّم أنطونيو غرامشي مفهوم الهيمنة الثقافية، وتذهب مدرسة فرانكفورت خطوة أبعد، معتبرة أن الثقافة الحديثة نفسها قد تحوّلت إلى صناعة لإنتاج الوعي الزائف. هذه القراءة تحاول الجمع بين هذه المشاريع الثلاثة في أفق نقدي واحد، للكشف عن آليات السيطرة الثقافية وكيف تُصنع الطاعة دون سلاسل.
أولًا: إبراهيم البليهي – التخلف كمنظومة ذهنية مغلقة
في حصون التخلف، لا يقدّم البليهي أطروحة تقليدية، بل تفكيكًا حواريًا لما يسميه “الموانع الثقافية للنهوض”. التخلف هنا ليس مرحلة تاريخية، بل حالة وعي. مرتكزات رؤيته:
1. قداسة الموروث حين يتحول التراث من مادة للفهم إلى سلطة للفصل، يصبح العقل تابعًا لا فاعلًا، ويغدو السؤال جريمة معرفية.
2. التعليم بوصفه إعادة إنتاج للامتثال المدرسة لا تصنع عقلًا نقديًا، بل تدرّب على الحفظ والطاعة، فتُرسّخ “الاستقرار الذهني” لا التقدم.
3. الخوف من الحرية أخطر ما يرصدُه البليهي هو أن المجتمع نفسه يدافع عن القيود، لأن الحرية تهدد يقينه لا سلطته فقط. الثقافة هنا حصن دفاعي ضد التغيير، لا ضد الغزو.
ثانيًا: غرامشي – الهيمنة حين تصبح القيم طبيعية: يقدّم غرامشي انتقالًا نوعيًا في فهم السلطة: السلطة لا تحتاج دائمًا إلى القمع، لأنها تنجح حين تقنع الخاضعين بأن ما هو قائم هو المنطق الوحيد الممكن.
مفهوم الهيمنة الثقافية:
• المدرسة، الدين، الإعلام، اللغة اليومية: كلها أدوات تصنع القبول.
• الهيمنة تنجح عندما يُدافع المقهور عن النظام الذي يقهره.
وهنا يلتقي غرامشي مع البليهي في نقطة جوهرية: التخلف ليس مفروضًا فقط، بل مقبولًا ومُدافعًا عنه. لكن غرامشي يربط هذا القبول بالبنية الطبقية والاقتصادية، ويقترح مقاومته عبر المثقف العضوي وبناء وعي جماعي بديل.
ثالثًا: مدرسة فرانكفورت – من الهيمنة إلى صناعة الوعي الزائف: تذهب مدرسة فرانكفورت (هوركهايمر، أدورنو، ماركوزه) إلى مستوى أكثر تشاؤمًا وعمقًا: المشكلة لم تعد في من يملك الثقافة، بل في طبيعة الثقافة ذاتها في العصر الحديث.
.1 صناعة الثقافة (Adorno & Horkheimer): الثقافة الحديثة تحوّلت إلى صناعة:
• ترفيه موحّد
• ذوق مُعلّب
• تفكير سطحي
النتيجة: إنسان يظن أنه يختار، بينما هو يستهلك ما صُمم له. هنا نرى امتدادًا خطيرًا لما وصفه البليهي: لم يعد القيد تقليديًا فقط، بل حديثًا وممتعًا.
.2 العقل الأداتي – حين يتحول العقل ضد نفسه: تحذّر مدرسة فرانكفورت من العقل الأداتي:
• عقل يحسب ولا يفهم
• ينجز ولا يسأل
• يتكيّف بدل أن يُقاوم
هذا العقل هو نفسه الذي ينتجه التعليم التلقيني الذي ينتقده البليهي، لكنه في سياق عالمي تقني لا ديني فقط.
.3 الإنسان ذو البعد الواحد (ماركوزه): ماركوزه يصف إنسان الحداثة بأنه:
• مندمج في النظام
• فاقد للخيال النقدي
• يرفض البدائل بوصفها “غير واقعية”
وهنا يصبح التخلف، paradoxically، حديثًا: ليس تخلفًا تقليديًا، بل تخلّفًا تقنيًا ناعمًا.
رابعًا: جدلية الالتقاء بين المشاريع الثلاثة: رغم اختلاف السياقات، فإن المشاريع الثلاثة تلتقي عند فكرة مركزية: أخطر أشكال السيطرة هي تلك التي تُصنِّع القناعة.
البليهي غرامشي فرانكفورت
ثقافة تُحصّن التخلف ثقافة تُنتج الهيمنة ثقافة تُنتج الوعي الزائف
مسلّمات مقدسة قبول طوعي استهلاك مُسيطر عليه
تعليم مُلقّن مؤسسات مهيمنة عقل أداتي
خامسًا: نقد تركيبي – ما الذي ينقص كل مشروع؟
• البليهي: تشخيص ثقافي عميق، لكنه يقلّل من تحليل قوى السلطة الحديثة التي تستثمر هذا التخلف.
• غرامشي: تحليل بنيوي قوي، لكنه يفترض إمكانية بناء وعي جماعي، وهو أمر بات أكثر تعقيدًا في عصر الإعلام الشامل.
• مدرسة فرانكفورت: تشخيص راديكالي، لكنه قد يقع في تشاؤم يعطّل الفعل.
التركيب الضروري اليوم:
• تفكيك المسلّمات (البليهي)
• كشف الهيمنة (غرامشي)
• مقاومة الوعي الزائف والعقل الأداتي (فرانكفورت)
خاتمة
إذا كان التخلف حصنًا، فإن مفاتيحه لم تعد في الماضي وحده، بل في الحاضر المُصنّع.
وإذا كانت الهيمنة قد نجحت، فليس لأنها قوية فقط، بل لأن الثقافة علّمتنا كيف نُحب قيودنا. بين البليهي وغرامشي وفرانكفورت، يتشكل سؤالنا الأخطر: هل ما زال العقل قادرًا على تحرير نفسه، أم أصبح جزءًا من آلية سجنه؟
والفصل الغائب عن كتاب البليهي(حصون التخلف) هو الفساد حين يتحول من سلوك إلى منظومة.. إذا كان كتاب حصون التخلف قد نجح في تفكيك البنية الثقافية التي تُقيد العقل وتُقدّس المسلّمات، فإن سؤالًا جوهريًا يظل معلّقًا: لماذا الكاتب السعودي لم يُعالج الفساد المجتمعي بوصفه الحصن الأخطر من حصون التخلف؟ الفساد هنا لا يُقصد به مجرد الرشوة أو المحسوبية، بل تحوّله إلى نظام حياة: إفلات من العقاب، مناصب تُمنح بالقرابة، كفاءة تُقصى، وقانون يُستخدم انتقائيًا. في هذه الحالة، لا يعود الفساد ظاهرة أخلاقية، بل يصبح بنية سلطة. يمكن فهم موقف البليهي بوصفه يرى الفساد نتيجة ثقافية لا سببًا جذريًا؛ فالمجتمع الذي يقبل الظلم ويبرّره، ويُطبع اللامساواة بوصفها “شطارة”، هو مجتمع يُنتج الفساد ويعيد إنتاجه. غير أن هذا التفسير، رغم وجاهته، يصبح قاصرًا حين ننتقل من مستوى السلوك إلى مستوى المنظومة. في مجتمعاتنا، لم يعد الفساد انعكاسًا لخلل ثقافي فحسب، بل أصبح:
• آلية للحكم
• اقتصادًا موازيًا
• وسيلة لإخضاع المجتمع
• وأداة لمعاقبة الكفاءة ومكافأة الولاء
هنا يتحوّل الفساد إلى حصن فوق الحصون، يحمي التخلف من أي اختراق عقلاني. فحتى لو تحرر الوعي الفردي، يصطدم بجدار واقعي يعاقبه على نزاهته، ويدفعه إما إلى الصمت أو التواطؤ أو الهجرة. اما من منظور غرامشي، يُفهم هذا الفساد كجزء من الهيمنة الثقافية؛ إذ لا يُفرض بالقسر وحده، بل يُقدَّم بوصفه “ضرورة” و”واقعية”. أما من منظور مدرسة فرانكفورت، فإن أخطر ما في الفساد هو تطبيعه: حين يعتاد الناس غياب العدالة، ويكفّون عن تخيّل بديل أخلاقي، فيتحوّل الوعي نفسه إلى وعي زائف. وهنا تتضح الحلقة المغلقة: الثقافة المأزومة تُنتج فسادًا، والفساد البنيوي يُعيد تشكيل الثقافة بما يخدم استمراره. عند هذه النقطة، لا يعود كسر حصون التخلف ممكنًا عبر النقد الثقافي وحده، بل يتطلب تفكيك منظومة الإفلات من العقاب وبناء دولة القانون.
الخلاصة القاسية هي أن: تحرير العقل شرط ضروري للتقدم، لكنه ليس شرطًا كافيًا في بيئة يكافئ فيها الفساد ويُعاقَب فيها النزيه. ولهذا، فإن الفصل الغائب في حصون التخلف هو هذا السؤال الجوهري: كيف يمكن للعقل أن يتحرر، إذا كان الواقع ذاته مُصمَّمًا لكسر كل محاولة للنزاهة؟ إن الثقافة حين تتحول إلى سلطة تُنتج التخلف، لكن الفساد حين يتحول إلى منظومة يمنع الخلاص.







































