مقتبل عام جديد.. ووصفة نبوية للنّجاح.
لرسول الله ﷺ شمائل وخصائص تميّزه عن غيره من الخلق، ومن تلك الخصائص بلاغته ﷺ، وللبلاغة أوجه عديدة، منها أنّه ﷺ أوتيَ جوامع الكلم، فقد روى مسلمٌ في صحيحه أن رسول ﷺ قال عن نفسه (وأوتيتُ جوامعَ الكلم).
يقول الأستاذ عباس العقاد في كتابه (عبقرية محمد) في أثناء حديثه عن بلاغة النبي ﷺ: “إلا أن الإبلاغ أقوى الإبلاغ في حديث النّبي، هو اجتماع المعاني الكبار في الكلمات القصار، بل اجتماع العلوم الوافية في بضع كلمات، وقد يبسطها الشّارحون في مجلدات”.
ومن هذه الأحاديث النّبوية الّتي جمع فيها النّبي ﷺ العلوم الوفيرة في الجمل القصيرة، والّتي تمثل منهجًا كاملاً متكاملاً للنّجاح والتّقدم، ما رواه مسلمٌ في صحيحة أنه ﷺ قال: (المؤمن القويّ، خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضّعيف، وفي كلٍّ خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء، فلا تقلْ لو أنّي فعلتُ، كان كذا وكذا، ولكن قلْ قدّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشّيطان).
وإليكم خطة النجاح في عامكم الجديد، التي أرشدنا إليها سيد الخلق..
في هذا الحديث يخبرنا النّبي ﷺ أن المؤمن القوي خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف، والقوة والضّعف هنا الإيمان والعمل معًا، في عمل الدّنيا وفي عمل الآخرة. فالقوة مقدّمةٌ دائمًا على الضّعف، وكلّ معنى من معاني الإيجابيّة مقدمٌ على كل معنى من معاني السّلبية، وكلّ عملٍ يتقدّم بالفرد والمجتمع إلى الأمام مقدّمٌ لا شك على كلّ عملٍ يتأخر بأيهما إلى الوراء أو يقف بهما في سكونٍ أو عجزٍ أو سُبات.
يرشد النبى ﷺ في هذا الحديث كلّ واحد من الناس، أن يكون حريصًا كل الحرص على ما يؤدي إلى نفعه ومنفعته، وإلى تحقيق ما يأمل وما يطمح في دنياه وآخرته. وإنّك لتجد في الحديث ملمحًا أخلاقيًا جميلاً، إذ يُحمّل كل واحدٍ منّا المسؤولية كاملة في تحديد وتقرير ما ينفعه وما لا ينفعه، فلم يحصر له منافعه ومضاره في جدولٍ مغلق، ولم يسمح للفرد أن يوكل غيره ليقرّر له أمره ويأخذ به إلى الطّريق، وإنما أوْكل كلّ إنسانٍ إلى نفسه وعقله وضميره ليأخذ كلّ واحدٍ منّا بنفسه إلى مصيره الّذى يرجوه..
ثم يرسم لنا رسول الله ﷺ سبيل الوصول إلى تحقيق هذه الآمال وتلك الطموحات فيقول: (استعن بالله)، وفي رواية: (استعذ بالله)، أي اجتهد في أن تتخلّص من كلّ عائقٍ يحول بينك وبين تحقيق ما تهدف إليه، وما تطمح في نواله وبلوغه، مستعينًا في ذلك بالله.
(ولا تعجز)، أي لا تدّخر وسعًا من وقتٍ وجهدٍ وبحثٍ وإنفاقٍ واستقصاء، في أن تعمل على تحقيق ما تريده وما تأمله. لتصل إلى الصورة التي تحب أن ترى نفسك عليها وإلى الموضع الذي تحب أن ترى نفسك فيه، وتحب أن يراك الناس على ذلك. صورة ووضع تنفع بهما نفسك وتنفع بهما غيرك، فتصير من خير النّاس، لأن خير النّاس أنفعهم للناس.
(فإن أصابك شيء)، فأعاقك عن مواصلة الطّريق وتحقيق المراد، فلا تقلْ لو أني كنت قد فعلتُ كذا لكان كذا وكذا، أي لا تحدث نفسك بحديث اليأس والقنوط، ولا تُحمّل نفسك فوق طاقتها، فمثل هذا الحديث يثبط همتك ويقف بك عن المواصلة والمثابرة، بل قد يرجع بك إلى الوراء، وإن كل ذلك لهو من عمل الشّيطان، ولكن عليك أن تقول (قدّر الله وما شاء فعل)، أي عليك بقولك هذا أن تُرجع الأمر في حالة الإخفاق، لسبب خارج عن إرادتك، إلى قدر الله وتقديره.
وقدر الله لا مفر منه، ولا بد من الرضا به، فلعل الله لم يكتب لك التوفيق في أمرٍ ما، لأنك لا تزال في طور لا تصلح معه إلى الترقي إلى درجة أعلى من درجات الترقي في الحياة، ويريد الله لك أن تتعلم شيئًا من هذا الإخفاق أنت في حاجة إلى تعلمه لتواصل المسير، فإذا علمت هذا من نفسك، فعليك إذن أن تقف على قدميك كرة أخرى، وأن تبدأ العمل من جديد، وأن تستعذ بالله ولا تعجز على نحو ما سبق… وهلم جرا… إلى متى؟.. إلى أن تصل إلى ما تريد.
هذا ما علمنا النّبي ﷺ إيّاه، يحمل من المعاني ما يحتاج إليه الفرد وما تحتاج إليه المجتمع، كأشد ما يحتاج إليه فرد أو مجتمع، نقرأ هذه المعاني فنجدها الآن تدّرس في علوم تخصصية واسعة المباحث والفروع، تسمى علوم التّنمية البشرية وتطوير الذّات، فهذه العلوم هدفها أن تأخذ بيد الفرد ليحقق ما يريد من آمال وطموحات، وترسم له طريقًا لذلك، بدايته أن يتخلص الفرد من كل صورة ذهنية سلبية سابقة تعيقه عن مواصلة الطّريق، وتحفزه بكل محفزٍ ممكن ومتاح ليبذل ما يستطيع من جهد ليصل إلى ما يريد، فإن نجح فبها ونعمت، وإن أخفق تحذره وبشدة من أن يحدّث نفسه حديثًا سلبيًا يقعد بهمته عن معادوة المحاولة المرّة بعد المرّة.
تلك هي الوصفة النّبويّة للنّجاح، ليس منا أحدٌ إلا وهو في أشدّ الحاجة إليها، لتكون له هداية ومنهجًا في مستهلّ عامنا الجديد 2026، نسأل الله أن يكون عام خير وبركة ونماء، وأن يحفظ فيه بلادنا، وطنًا وشعبًا وقيادة..
دكتور عماد حمدى البحيرى







































