القصر الأحمر
بقلم ياسمين خدومة تونس
سلسلة الزّمن وصحن الجامع
لأنّ عمّي صالح، المؤذّن، كان ضريرًا، كانت حياته تتطلّب تواصلاً خاصًّا مع الزّمن. كانت لحظة الأذان بالنّسبة له موعد يوميّ، كما كانت لحظة حاسمة تُمثّل اتّصالًا مباشرًا بين الأرض والسّماء. ولكنّه لم يكن يستطيع ضبط الوقت بمفرده، فهو كان في حاجة لمن يُعينه في معرفة متى تدقّ السّاعة وتُعلَن ساعة الأذان.
في ذلك اليوم، كان “لخضر حسا” يقف في صحن الجامع، عينيه تتنقّلان بين السّاعة في يده وبين السّماء الّتي احتضنت شمس النّهار. كانت ساعته الجيب، ذلك الكنز الّذي يحمل بين طيّاته أسرار الزّمن، تتدحرج منها سلسلة فضّية لامعة، تكاد تلمع في ضوء الشّمس. كانت تلك السّلسلة بمثابة الوصلة بين الحاضر والماضي، بين اللحظة الّتي تجري واللحظة الّتي تأتي. وقد اعتاد “لخضر” أن يكون هذا دوره، دوره في رصد الزّمن وإبلاغ عمّه صالح لحظة قدوم الأذان.
رفع “لخضر” رأسه في اتّجاه الصّومعة، عيناه مشدودتان إلى قبّتها العالية. كانت ساعته الجيب في يده اليمنى، والسّلسلة تتدلّى منها بهدوء وكأنّها تنبض بالحياة. وهكذا، بعد أن حدّق في السّاعة للمرّة الأخيرة، قال بكلّ حزمٍ وأمانة: “اذكر الله”.
كانت الكلمات كإشارة يُطلقها الجنرال في معركة عظيمة. عندها، بدأ عمّي صالح في نداء الأذان، وبصوته الّذي يتناغم مع الرّيح، يهتزّ الهواء، وتغمر كلمات الأذان أرجاء المدينة. “الله أكبر… الله أكبر”.
الصّوت كان مدوّيًّا لكنّه متسامٍ، كأنّما هو نداء الرّوح. كانت كلّ نغمة تنبعث من فم عمّي صالح تمسّ القلب والنّفس. وفي ذلك الصّمت العميق بين الكلمات، كان “لخضر حسا” يقف كجندي مخلص، يُتابع اللحظة الّتي يبدأ فيها الأذان وكأنّه يرسم ملامح الزّمن، بحيث تصبح كلماته ذات وقعٍ سحريّ في كلّ زاوية من زوايا القَصر. كان لخطواته الّتي تتنقّل بين المصلّين مذاقٌ خاص، مثلما كان للحساء طعمه المميّز، أكلة تُذكّر بالأصالة والتّاريخ، وتلخّص ذلك الحبّ العميق بين النّاس وأرضهم.
وكان “لخضر”، الّذي حصل على كنيته بسبب حبّه المفرط للحساء، يظلّ في مكانه، واقفًا، كرمزٍ للوقت والحياة. هو ذلك الشّخص الذي جعل من كلّ لحظة تمرّ بمثابة حدث مهمّ، وعاش حياته متّصلًا بأصالة الأرض.
القصر الأحمر
بقلم ياسمين خدومة تونس
Discussion about this post