موائد الرحمن في رمضان
موائد الرحمن ظاهرة إنسانية عظيمة، تحمل في طياتها معاني التكافل، والتراحم والتآزر بين أفراد المجتمع تعكس روح المحبة، والتضامن وتجسد قيم العطاء والبذل التي حثت عليها الأديان السماوية وتقاليد المجتمعات عبر العصور تنتشر هذه الموائد في شهر رمضان بشكل خاص حيث يتسابق الناس لإعدادها في الساحات والشوارع والمساجد لاستقبال الفقراء والمحتاجين وعابري السبيل ممن ضاقت بهم الأحوال أو لم يجدوا ما يسد رمقهم في هذا الشهر الفضيل فتكون موائد الرحمن بمثابة واحة للرحمة والبر والإحسان
يمتد أثر هذه الظاهرة ليشمل مختلف الفئات الاجتماعية فلا يقتصر الحضور على الفقراء فقط بل نجد العاملين والطلبة والغرباء ممن اضطرتهم ظروفهم إلى تناول الطعام خارج بيوتهم فتصبح الموائد ملتقى يجمع الناس على اختلاف مشاربهم ويقرب بينهم ويزيل الفوارق الاجتماعية ويغرس في النفوس معاني التواضع والمودة والإيثار فالجالس على هذه الموائد لا يسأل الآخر عن أصله أو وضعه المادي بل يتشارك الجميع اللقمة بروح أخوية صادقة
لموائد الرحمن بعد آخر يتمثل في كونها تعزز القيم الدينية وتحيي سنة إطعام الطعام التي أوصى بها النبي الكريم فإعداد الطعام وتقديمه للمحتاجين يعد من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى الله فهي لا تقتصر على إشباع الجوع فقط بل تحمل رسائل روحية تعزز الوعي بالمسؤولية الاجتماعية وتؤكد أن المجتمع القوي هو الذي يساند أفراده بعضهم بعضا
لا يقتصر دور موائد الرحمن على تقديم الطعام فحسب بل تمتد لتشمل بث روح المحبة والتآخي بين الناس حيث تتجلى معاني البذل والعطاء في أبهى صورها ترى المتطوعين يتسابقون لخدمة الصائمين يوزعون الأطباق ويسكبون الماء ويمسحون الطاولات بفرح ورضا كأنهم ينالون أعظم الجوائز فهذا العمل البسيط في ظاهره يحمل بين طياته بركة عظيمة تتجلى في شعور العطاء والراحة النفسية التي تغمر القلوب
ومع التطور الذي يشهده العالم اليوم لم تعد موائد الرحمن تقتصر على شكلها التقليدي بل أخذت صورا متعددة حيث نجد الجمعيات الخيرية والمبادرات الشبابية التي تتولى تنظيمها بطرق أكثر احترافية فتقوم بتحضير الوجبات مسبقا وتوزيعها على البيوت أو توفيرها في أماكن معينة لتخفيف الازدحام كما بدأت بعض الدول في دعم هذه الموائد من خلال توفير الإمدادات الغذائية والمساهمات المادية لضمان استمراريتها بأفضل شكل
ورغم الجوانب الإيجابية لهذه الظاهرة إلا أنها تواجه تحديات أبرزها الإسراف في الطعام حيث يلاحظ أحيانا إعداد كميات تفوق حاجة الحاضرين مما يؤدي إلى رمي الطعام بدلا من توزيعه على من يحتاجه وهذا يتنافى مع مقاصد هذه الموائد التي تقوم على الإحسان لا على التبذير لذا صار من الضروري التوعية بضرورة ترشيد الاستهلاك وإدارة الموارد بحكمة لضمان استمرار هذا الخير لأكبر عدد ممكن
تبقى موائد الرحمن علامة مضيئة في حياة المجتمعات الإسلامية تعكس جوهر التكافل الاجتماعي وتعزز الروابط بين الناس فهي ليست مجرد أماكن لتناول الطعام بل هي رمز للرحمة والمودة ومدرسة تعلم معاني العطاء والإحساس بالآخرين هي فرصة لكل قادر على البذل أن يشارك في إدخال البهجة إلى القلوب وصنع فارق في حياة المحتاجين فلا شيء أعظم من أن يجتمع الناس على مائدة واحدة يتقاسمون فيها الخبز والود والدعاء في جو من الألفة والخير
للاإيمان الشباني
Discussion about this post