سلسلة تسرد
التُّراث الشَّعبي في رمضان
بقلم/ د. دعاء محمود
مع أداء صلاة عيد الفطر المبارك، يعيش المصريون أجواء من الاحتفالات المبهجة من خلال العديد من الطُّقوس والعادات المتنوعة التي اشتقت اسمها من هذا العيد المبارك على مدار التَّاريخ؛ للتعبير عن الفرح والسُّرور بقدومه لدى الجميع.
فكما يحرص المصريون على إظهار روح التَّكافل والتَّراحم عبر أداء زكاة عيد الفطر المبارك قبل حلوله، يشارك الجميع أيضًا في صناعة أجواء من المودة والألفة تزيد الفرح باستقبال هذا العيد المبارك، من خلال طقوس وعادات ارتبطت تسميتها به للتَّعبير عن الفرحة بقدومه، ومن أبرزها “لبس العيد”، و”العيدية”، و”كعك العيد”، و”حلاقة العيد”، كما أن لليلة العيد نصيب أيضًا من هذه الأجواء المبهجة التي تسبقه.
وبهذا الرَّبط المميز بين تسمية طقوس الاحتفال وعيد الفطر المبارك، يخرج المصريون من الاحتفال بشهر رمضان الفضيل إلى استقبال عيد الفطر المبارك بشراء “لبس العيد”، حيث تزدحم الشَّوارع بالأسر والشَّباب والأطفال قبل أيام من عيد الفطر المبارك لشراء الملابس الجديدة، كون “لبس العيد” أحد أهم مظاهر الفرح والسُّرور بهذه المناسبة المباركة، خاصة لدى الأطفال الذين يمثلون العنصر الأهم في صناعة هذه البهجة.
وبحلول العيد المبارك، تغمر الشَّوارع فرحة الأطفال الذين ينطلقون بـ”لبس العيد”، حاملين ألعابهم الجديدة التي عادة ما يشترونها بنقود “العيدية” التي يحصلون عليها من آبائهم أو أقاربهم الزَّائرين للتهنئة بالعيد المبارك، حيث تعد “العيدية” أيضا جزءًا أصيلًا من العادات القديمة التي انتشرت في مصر منذ مئات السِّنين للاحتفال بعيد الفطر المبارك، والتي تطورت خلال القرنين الماضي والحالي بتوزيع عملات ورقية جديدة يسارع المصريون للحصول عليها من البنوك قبل حلول عيد الفطر المبارك؛ لتوزيعها على الأطفال في هذه المناسبة المباركة، لتزيد فرحتهم وبهجتهم بالعيد.
كما تزداد أجواء الفرح بحلول عيد الفطر المبارك داخل البيوت المصرية من خلال تجهيز “كعك العيد” و”بسكوت العيد” وغيرها من الحلوى المميزة، حيث لا تدخر النِّساء جهدًا لنقشها بأشكال مميزة، بمشاركة أفراد الأسرة والجيران في أجواء احتفالية تسودها المودة والبهجة، لا سيما في الرِّيف المصري الذي ظل متمسكًا بهذه العادة، كما لا يخلو الحضر كذلك من مظاهر شراء الكعك والحلوى الجاهزة قبل حلول عيد الفطر المبارك، حيث يعد تناولها على مائدة الإفطار وتقديمها للضيوف طقسًا أساسيًا لدى المصريين.
ومع هذه الحلوى، التي تعد جزءًا أساسيًا في التَّعبير عن البهجة والسُّرور، تحرص النِّساء على تجهيز منازلهن وتنظيفها لاستقبال المهنئين بعيد الفطر المبارك، لتصبح في أبهى صورة، كما يحرص الرِّجال والأطفال على تصفيف شعورهم، حيث تتكدس محال “الحلاقة” بالزَّبائن، وتواصل عملها حتى موعد صلاة العيد، وتعد “حلاقة العيد” من العادات التي يحرص عليها المصريون لكي يظهروا في أفضل هيئة خلال هذه المناسبة المباركة.
ومع هذه الاستعدادات، يبدأ الاحتفال بقدوم عيد الفطر المبارك، منذ “ليلة العيد”، حيث يعيش المصريون أجواء مميزة من الفرح والسُّرور، جسدتها بوضوح أغنية “يا ليلة العيد أنستينا” للمطربة الرَّاحلة أم كلثوم، والتي تغنت فيها بفرحة قدوم العيد المبارك، حيث تحرص الفضائيات والإذاعات المصرية والمراكز التُّجارية على بثَّها عشية يوم العيد المبارك، قبل بث أغاني الاحتفال بالعيد، ومن أبرزها أغنية “العيد فرحة” التي ظلت لعقود أيقونة الاحتفال بعيد الفطر المبارك.
كما تشهد ليلة العيد كذلك مشاركة الشَّباب في تزيين المساجد والسَّاحات لاستقبال المصلين، في أجواء مبهجة تجعل لهذه اللَّيلة احتفالًا خاصًا لدى الجميع، فيما يحرص كثيرون أيضًا على السَّهر في هذه اللَّيلة لحين أداء صلاة العيد.
وبصلاة عيد الفطر المبارك، تكتمل هذه الفرحة بمشاهد حشود المصلين، لا سيما في ساحات الجوامع الكبرى في أنحاء مصر، مثل جامع عمرو بن العاص، ومسجد السُّلطان حسن، إلى جانب المساجد التَّاريخية والأثرية مثل مسجد الحُسين، وجامع الأزهر الشَّريف، ومساجد السَّيدة نفسية، والسَّيدة زينب، والرِّفاعي بالقاهرة، إلى جانب مسجد مصطفى محمود في حي المهندسين بمحافظة الجيزة، والذي يعد من أشهر المساجد التي تضم ساحة واسعة لأداء صلاة العيد.
وفي ساحات صلاة العيد في أنحاء البلاد، تظهر أجواء المودة والألفة عبر توزيع الحلوى وإطلاق البالونات للتعبير عن الفرحة بهذه المناسبة المباركة، كما انتشر في البلاد طقس جديد للاحتفال بالعيد خلال السَّنوات الماضية، وهو إلقاء البالونات من شرفات المنازل للتَّعبير عن الفرح والسُّرور بقدومه، لتكتمل مشاركة الجميع في صناعة هذه البهجة التي تظل سمة مميزة ومتجددة لدى الشعب المصري عبر مختلف العصور.
أعاد الله لنا بهجة الأعياد أعوام وأعوام.
الكاتبة الصَّحفية/ د. دعاء محمود
مصر
دعاءقلب
Discussion about this post