الشّعر للجميع.. والنّقد لمن؟
بقلم الشّاعرة/ ربيعة بوزناد
في الحادي والعشرين من مارس من كلّ عام، يحتفي العالم بالشّعر، ذلك الفنّ الّذي رافق الإنسان منذ فجر اللغة، وكان شاهداً على أحلامه، وانكساراته، وثوراته الدّاخلية. في هذا اليوم، تُعقد النّدوات، تُلقى القصائد، وتُرفع الشّعارات الّتي تمجّد حرّيّة الإبداع وانفتاح المنابر أمام كلّ الأصوات. لكن وسط هذا الاحتفاء، يلوح سؤال جوهريّ: هل تصل كلّ الأصوات الشّعريّة إلى مكانها المستحقّ؟ أم أن بعض الأسماء تُنقش في الذّاكرة النّقديّة بينما يُدفع بأخرى إلى الهامش؟
عبر التّاريخ، لم يكن غياب الشّاعرات عن المشهد الأدبي ناتجًا عن غياب إبداعهنّ، بل عن آليّات النّقد والاعتراف الأدبي الّتي كثيرًا ما تجاهلت أصواتهنّ، أو نظرت إليها من زاوية ضيّقة. منذ أن وقفت الخنساء في سوق عكاظ، لم تُقرأ قصيدتها لذاتها، بل قورنت بشعر أخيها صخر. ولادة بنت المستكفي كان يحكى عنها كمزيج من الشّعر والأسطورة، وكأنّ إبداعها لا يكتمل إلّا بارتباطه بحياتها الشخصية. وحتّى في العصر الحديث، حين أحدثت نازك الملائكة ثورة في بنية القصيدة العربيّة، استغرق الأمر سنوات حتّى يُعترف بدورها، بينما كانت الأضواء مسلّطة على رموز أخرى.
لكن هل تغيّر الأمر اليوم؟ لا تزال العديد من الشّاعرات يكتبن، يملأن المشهد الشّعريّ بنصوص نابضة بالحياة، لكنّ أصواتهنّ لا تصل إلى ما تستحقّه من دراسة وتحليل. وكما ورد في مقال سابق: “الشّاعرة حين تكتب، يُنظر إلى تجربتها كحالة خاصّة، بينما حين يكتب الرّجل، يُنظر إلى نصّه باعتباره تعبيرًا عن الشّعر كلّه.” فالنّقد، الّذي يُفترض أن يكون عين الأدب اليقظة، لا يزال يحمل تحيّزاته، ولا يزال يمنح بعض الأصوات الضّوء، بينما يُبقي أخرى في الظّلّ.
في اليوم العالمي للشعر، حيث يُفترض أن يكون الاحتفاء بالشّعر بكل أصواته، علينا أن نتساءل: لماذا نحتفي بالشّعر كفنّ عالميّ، بينما لا يزال النّقد انتقائيًا فيمن يمنحه الضّوء؟ لماذا لا تُقرأ قصائد النّساء بعيدًا عن تصنيفات ضيّقة؟ ولماذا حين تكتب المرأة، يُبحث في قصيدتها عن ملامح حياتها، بينما حين يكتب الرّجل، يُبحث عن صوته كجزء من روح الشّعر ذاته؟
إنّ الشّعر لا يحتاج إلى تصاريح، إنّه يتدفّق مثل نهر حرّ، يصل إلى القلوب قبل أن يصل إلى الكتب. لكنّ النّقد، وهو بوابة الخلود الأدبيّ، لا يزال يمارس انتقائيّته، يقرّر ما يُقرأ وما يُنسى. وفي هذا اليّوم، لن يكون الاحتفاء كاملاً إلا عندما نُعيد النّظر في المعايير الّتي نختار بها من نقرأ، ومن نُبرز، ومن نُقصي دون وعي.
الشّعر للجميع، نعم، لكنّ النّقد.. لمن؟
Discussion about this post