واحة الصائمين
[ الحلقة العشرون]
بداية الثلث الأخير
من رمضان
╭── ❖ ──╮
قال رسول الله ﷺ:
“إن لله عتقاء في كل يوم وليلة، لكل عبد منهم دعوة مستجابة.” (رواه أحمد)
╰── ❖ ──╯
وداعًا لأيام الرحمة والمغفرة.. ومرحبًا بأيام العتق من النار!
مرّ الثلث الأول من رمضان سريعًا، حاملاً معه نفحات الرحمة، ثم لحقه الثلث الثاني، مضيئًا ببركات المغفرة.
وها نحن نودّع تلك الأيام، لنستقبل أقدس لحظات الشهر.. الثلث الأخير، حيث تُفتح أبواب العتق من النار!
لقد كان النبي ﷺ أشد اجتهادًا في هذه الأيام، إدراكًا لفضلها وعظيم أثرها، وكان يوقظ أهله للصلاة، ويشدّ مئزره، ويحيي ليله بالذكر والتعبد.
قالت السيدة عائشة رضي الله عنها:
“كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله.” (متفق عليه)
فما السر في هذه الأيام؟ ولماذا جعلها الله محطّة مميزة من الشهر الفضيل؟
لأنها أيام العتق من النار
قال النبي ﷺ:
“إن لله عتقاء في كل يوم وليلة من رمضان، وإن لكل مسلم دعوة مستجابة.” (رواه أحمد)
بعد أيام الرحمة والمغفرة، تأتي لحظة الخلاص.. إنها الفرصة الأخيرة لمن قصّر، والطوق الناجي لمن فرّط، والميدان الرحب لمن أراد السبق إلى الجنان!
لأن فيها ليلة القدر
قال تعالى:
“لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.” (القدر: 3)
ليلة واحدة تفوق عبادتها 83 عامًا! فمن الذي يفرّط في هذه الجائزة العظمى؟
وهي ليلة تتنزل فيها الملائكة، وتنشر السلام والسكينة، وتُرفع فيها الأعمال، وتُكتب فيها الأقدار.
لأنها فرصة أخيرة للاستدراك
قد يكون أحدنا لم يحسن اغتنام العشرين يومًا الماضية، لكن الله يمنحنا الفرصة حتى اللحظة الأخيرة!
كم من غافل تاب في هذه الأيام، ففاز بالقبول؟ وكم من مذنب غُفرت ذنوبه فيها، فصار من الصالحين؟
كيف نستقبل الثلث الأخير من رمضان؟
١- مضاعفة الجهد في العبادة
ليس الوقت للنوم أو الكسل، بل للقيام والقرآن والدعاء.
“اجعل هذه الليالي مختلفة، اجعلها بصمة في حياتك، اجعلها بداية جديدة مع الله!”
٢- الاعتكاف ولو لليالٍ معدودة
إن لم نستطع الاعتكاف في المسجد كامل العشر، فليكن حتى ليلة أو ليلتين!
الفكرة هي التفرغ الكامل للعبادة، وإعادة الاتصال مع الله، بعيدًا عن مشاغل الدنيا.
٣- الإكثار من الدعاء بالمغفرة والعتق
قالت السيدة عائشة رضي الله عنها:
“يا رسول الله، أرأيت إن وافقت ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني.” (رواه الترمذي)
هذا الدعاء وحده قد يكون سبب نجاتك هذا العام! فلا تتركه أبدًا.
٤- الصدقة والإحسان
رمضان شهر الجود، والنبي ﷺ كان أجود ما يكون في رمضان، فكيف بالعشر الأواخر؟
اجعل لك صدقة يومية، ولو قليلة، فهي مضاعفة الأجر، خاصة إن صادفت ليلة القدر.
٥- ختم القرآن الكريم
هذه الليالي خير ما تُختم فيها تلاوة القرآن. فمن لم يختمه بعد، فليجتهد في ذلك.
ومن ختمه، فليعد قراءته بتدبر وخشوع، أو ليستمع له بقلب واعٍ.
٦- قيام الليل بإخلاص
لا تفوّت صلاة التهجد، وخصص لنفسك وقتًا تخلو فيه مع الله، تناجيه وتتضرع إليه.
حتى لو ركعتين فقط، فليكن لك فيها دعاء طويل، تبكي فيه بين يدي الله!
٧- التوبة الصادقة وتجديد العهد مع الله
قد تكون هذه آخر ليلة قدر تشهدها، فهل ستخرج منها كما دخلت؟
حاسب نفسك، أصلح قلبك، وجدد نيتك، واعزم على الثبات بعد رمضان.
—
العبرة بالخواتيم!
قال النبي ﷺ:
“إنما الأعمال بالخواتيم.” (متفق عليه)
رمضان مثل سباق طويل، لكن الفائز ليس من ركض في البداية، بل من أنهى السباق بقوة!
كم من إنسان غيّر الله حاله في العشر الأواخر، وقلبه من الغفلة إلى الإيمان؟
لا يهم إن كنت متكاسلًا في أول الشهر، المهم كيف تختمه الآن!
قال الحسن البصري:
“أحسن في ما بقي يُغفر لك ما مضى، فاغتنم ما بقي، فلا تدري متى تلقى الله!”
—
جدول عملي لاستثمار العشر الأواخر!
قبل المغرب: استغفار + صدقة يومية.
بعد العشاء: صلاة التراويح كاملة.
بعد التراويح: ورد قرآني + ذكر.
في الثلث الأخير من الليل: تهجد + دعاء طويل.
في السحر: استغفار + تناول السحور بنية البركة.
اجعل لنفسك خطة عبادية خاصة بهذه الأيام، حتى لا تضيع منك لحظة!
—
لا زالت الفرصة قائمة.. فلا تضيعها!
قال النبي ﷺ:
“من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه.” (متفق عليه)
هذه الأيام قد تغيّر قدرك كله! فلا تستهن بها.
لا تجعل رمضان يمضي دون أن تترك فيه بصمة.. لا تجعل الفرصة تضيع!
لا تقل غدًا، بل الآن، الآن، الآن!
انتظرونا في الحلقة القادمة من “واحة الصائمين”!
كل عام عام وانتم بخير
Discussion about this post